#adsense

رسالة إلى صاحب الغبطة…

حجم الخط

تغادر أعلى مركز سلطة روحي ووطني في لبنان، وتغادر في عزّ أيام لبنان قلقاً وترقباً، وتُغادر يا صاحب الصرح بكركي بعدما أيقن اللبنانيّون أنك صنو لبنان وعينه الحارسة، وبعدما حلَّ في ضمائرنا، المسلمين منا قبل المسيحيين أنك «أبينا»، وأنك «أبو لبنان»، وأنك من تجسّد في شخصه، وفي صمته وفي نطقه، ميثاق عيشه المشترك، وأنك صورة «لبنان الرّسالة» التي تحدّث عنها البابا الراحل يوحنا بولس السادس…

اخترت الراحة وهذا حقّك علينا فقد تحمّلت عنّا وعن لبنان ما تنوء عنه الصخور التي نعبرها لندخل جغرافية كسروان، حملت طوال سنوات الحرب ما لا يتحمّله مسؤول، ورأيت خيوط المؤامرة تحاك بين اللبنانيين بعضهم البعض، وكيف يُشرذم المسيحيّون على أيدي من يدّعون السعي لخلاصهم فأمعنوا فيهم تقتيلاً وتهجيراً، تحمّلت ما لا يحتمله بشر من «الرعاع» الذين أرسلوا يوماً إلى صرحك، ظللت أبياً شامخاً لك أسوة فيما لاقاه السيّد المسيح، وكلّ أصحاب الرّسالات من السوقة وغلاظ القلوب وعُمي البصائر وغُلْف القلوب، الذين لا تزول الغشاوة عن أبصارهم.

«أبينا» الكاردينال، صاحب النيافة وغبطة بطريرك لبنان وإنطاكية وسائر المشرق، أعرفك منذ ثمانينات القرن الماضي، في عزّ حروب الميليشيات في شطر بيروت الغربي، ومحاولات تسليم شطرها الشرقي التي باءت بالفشل إلى أن نجح في تسليمها وإسقاطها ميشال عون…

أعرفك؛ وأعرف قدرك وصفاء روحانيتك وعمق إيمانك وصلابة تمسكك بلبنان وطن العيش المشترك يوم كان لبنان أشلاءً مقطعة في كلّ اتجاهاته، أعرفك منذُ تكوّمت أنا وبعض زملائي في إذاعة صوت الوطن، في العام 1986، يومها كان انتصاراً للوطن أن تجتاز «إذاعة المقاصد الإسلامية» كلّ خطوط التماس إلى بكركي، ليعود منها زميلنا موفق مدني بلقاء مع بطريرك لبنان لبرنامج حديث الساعة، كان مجرد التجاسر على أن تفكّر إذاعة في الانفتاح على بكركي وعلى المناطق المسيحيّة ومدّ الجسور مع الأشقاء في الوطن جريمة تكلفتها كبيرة، إلا أنّ صوت تمام سلام الذي خرج في وجه الميليشيات ليؤكد أن معركة بيروت تدور رحاها بين «الأوادم» و «الزعران» كانت ماثلة دائماً في خاطرنا، وكان إسم الإذاعة «صوت الوطن» أمانة في أعناقنا وتستحقّ أن نقدّم من أجلها الدماء ليظل لبنان واحداً موحداً أبناؤه سواسية فيه لا مغبون فيهم ولا خائف…

تكوّمنا في استديو 2، جلسنا نصغي لتسجيل الحلقة، وزميلنا موفق شديد الغبطة بإنجازه، ومدير الأخبار توفيق خطاب ومن رافقوهم في الزيارة يحدّثوننا عن «البطريرك صفير»، كنت أبدأ خطواتي الأولى في هذه المهنة التي لا ترتاح ولا تُريح، وتمنيّت في سرّي لو كنتُ معهم وبينهم يومها، ولا أخفي غبطتك يا «أبينا» البطريرك أنّ هذا الحديث رسم لي علامة الطريق في سبيل لبنان، كنتُ طليعة الذين قرروا إعادة وصل ما انقطع بعد الاجتياح الإسرائيلي، وحرب الجبل، عبرت طريق المتحف مراراً، أنجزتُ الكثير من اللقاءات مع فنانين وموسيقيين وشعراء، دخلت حتى المؤسسة اللبنانيّة للإرسال التقيت للمرة الأولى فيها هنري زغيب، إلى أن أيقنت أنّ هذا وحده لن يكون كافياً، علمني حديثك يومها أن أكون لبنانيّة أقبل الآخر فهو أخي وشريكي وجاري وابن بلدي ولا يعدل غريب منزلته عندي في الأخوّة لا في مال ولا دين أو «عروبة» ـ هذه البدعة التي اخترعتموها أنتم الموارنة على يد نجيب عازوري سامحه الله ـ يومها أدركت أن صوت الوطن سيكون ناقصاً في غياب جيش لبنان .

وتدرك غبطتك؛ ماذا كان قد يكلّف أي مقيم في الشطر الغربي للعاصمة مجرد الحديث عن الجيش اللبناني، فكيف بوقاحة تقديم فترة بثّ مباشر احتفاءً بعيد الجيش اللبناني في 1 آب 1987، والتجاسر بعدها ـ في خضمّ حروبٍ بلغت فيها المذهبية مداها والطائفيّة أعمت البصائر والقلوب ـ على تقديم فترة بث مباشر لمناسبة عيد الميلاد في إذاعة المقاصد الإسلاميّة، ولغبطتك أن تتخيّل كيف بدأت الأمور، ثمّ أفضت إلى قناعة حقيقيّة عند مستمعين كثر أننا في لبنان «ما إلنا إلا بعضنا».

هذه كلّها ـ بفضل حديثك ـ صاغت ثقافتي في لبنان الوطن في بداية مشواري، وازدادت رسوخاً، وكلّ ما آلمك عام 1990 آلمني، قبل يوم واحد كنت أتأمل السماء والجبال وأنا عائدة من جونية باتجاه بيروت بعد قضاء يوم طويل في دار صديقة عمري الفنانة ماجدة الرومي، اتسع فضاء الروح لإيمان كلّ واحدة منّا، تشاركنا هموم لبنان وتشاركنا صلوات،والتفكير بأغنيات، والاستماع إلى بروفات، وتدريبات، وفي اليوم التالي اندلعت حرب الإلغاء، وما أصاب مسيحيي لبنان ومناطقهم شقّ عليّ كثيراً كثيراً…

غبطة البطريرك؛ يعزّ عليّ أن تغادر الصرح، إلا أنني أحترم قصدك للراحة والخلوة، تعلّمت من غبطتك كيف أتميك بلبنان الرّسالة، وأن أخلص له ، لأن إسلامي علمّني أن حبّ الأوطان من الإيمان، ما أريد أن أقوله لك بسيط جداً، شكراً لأنك علمتني أن أكون لبنانية، وأنني فخورة أنني عشت حقبتك التاريخية العظيمة الحافلة بالتضحيات والاحتمال من أجل لبنان، وفخورة أنني عايشت مرجعية لبنان الكبرى، سيذكرك التاريخ لأنك تاريخي، وهو لا يذكرنا عادة لأننا الناس العاديين، أود أن أشكرك لأنك طوال هذه السنوات كنت طوال الوقت تتذكرنا وتخاف علينا وعلى لبنان… أتمنى أن يحافظ من سيخلفك على ميراثك، حتى يستحق أن نقول فيه «خير خلف لخير سلف».

المصدر:
الشرق

خبر عاجل