بدءاً من الأيام القليلة المقبلة، ومع إعلان قوى 14 آذار ورقتها السياسية في البريستول، ستكون السياسة في لبنان منتظمة على ايقاع "عودة 14 آذار إلى جذورها" واستعداداتها للنزول مجدداً إلى ساحة الشهداء، دفاعاً عن حرية لبنان في مواجهة السلاح.
وإذا كان "اللهو" المتعمد من قبل 8 آذار في لعبة "التأليف" الحكومي ما عاد يلهي احداً، فان مسؤولية 14 آذار هي في قدرتها على تنبيه اللبنانيين إلى المخاطر الهائلة التي تهددهم وتهدد دولتهم، وقدرتها على استنفارهم مجدداً وفق وضوح في الرؤية والخطاب. تماماً كما حدث بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حين حالت دون تمرير الإغتيال وكأنه حادثة عابرة.
المجتمع المدني الفاعل في 14 آذار، وقادة الرأي من مثقفين ونشطاء، يعكفون على بلورة هذه الرؤية وهذا الخطاب، لا بالعودة إلى الثوابت فقط، ولا بالإكتفاء بعنوان "السلاح هو المشكلة" فحسب، بل بالتأكيد على أن ربيع بيروت 2005، كان هو بداية ربيع العرب 2011، حين قدّم اللبنانيون نموذجاً غير مسبوق للتغيير السلمي الديموقراطي في العالم العربي، بعيداً عن نهج الانقلابات أو الحركات المسلّحة أو التدخل العسكري الخارجي.
بمعنى آخر، سيعلن هؤلاء ارتباطهم العضوي بهذه الموجة التغييرية العربية المتمسكة ببعد أخلاقي أصيل، طالما أنها تحمل قيمتين جوهريتين: الحرية والعدالة، بوصفهما أساس مفهوم الكرامة الانسانية.
الحراك المقبل، إنطلاقاً من استحقاق يوم 14 آذار، سيعلن الحقيقة، التي قد يكون اللبنانيون غافلون عنها، وهي أن لبنان اليوم أمام مخاطر جدية وجسيمة. خطر خسارة استقلاله مجدداً والعودة إلى السجن الكبير، في الوقت الذي تخرج منه شعوب المنطقة من سجون الإستبداد، وخطر القضاء على ديموقراطيته بقيام نظام الحزب الواحد المسلح. وخطر أدهى يتمثل في إخراج لبنان من كنف الشرعية الدولية، وتحويله دولة مارقة تعاني الحصار والعقوبات، على غرار الأنظمة المتهاوية في هذه الأيام.المجتمع المدني في 14 آذار يتجه الى إعلان حالة التعبئة المدنية الشاملة، بغض النظر عن أي حكومة ستشكلها 8 آذار، وذلك للدفاع عن حرية لبنان المهددة بالسلاح الفئوي الخارج عن سلطة الدولة، والتمسك بشرط نزع سلاح جميع الميليشيات تحت أي مسمى، بما يضع حداً نهائياً لتلك الهرطقة الوطنية التي جعلت من الدفاع عن لبنان "إختصاصاً مذهبياً"، كما التمسك بمطالبة المجتمع الدولي للقيام بمسؤولياته وتطبيق جميع قراراته المتعلقة بسيادة لبنان.
الرؤية الأهم، المستقبلية، والأبعد من مشكلة السلاح، يطرحها ويصوغها كوادر ومثقفو 14 آذار وفق مبدأ الدفاع عن ديموقراطية لبنان وعن حق اللبنانيين في "إقامة دولة لا يخجلون منها"، "دولة مدنية حديثة محررة من صراعات الطوائف عليها، دولة الحق التي يسري فيها القانون على الجميع من دون استثناء، وحيث القضاء مستقل عن السلطة السياسية وقادر على اجتثاث الفساد، وحيث لا يمكَّن أهل السياسة من توظيف المال العام والمرافق العامة في خدمة مصالحهم الإنتخابية، وحيث الإدارة لا تشكل مرتعاً للزبائنية السياسية والطائفية، وحيث مشاركة المواطن في الحياة السياسية مكفولة بقانون انتخاب حديث ولا مركزية إدارية".
كذلك، ووفق روحية تطويرية، تتواءم مع الطائف ومبدأ المناصفة، فإن أهداف "التعبئة المدنية الشاملة" هي الدفاع عن حرية اللبنانيين وعن "حقهم بالعيش في مجتمع حديث ومنفتح، يحترم نفسه، حيث لا يستخدم الدين لتحقيق غايات سياسية وخلق هويات مغلقة ومتناحرة تسوغ استخدام العنف باسم المقدس، وحيث لا تتعرض المرأة لاجراءات تمييزية من أي نوع يحطّ من كرامتها، وحيث احترام الشخص الإنساني هو ذاته للميسورين كما للمعوزين، للعمال اللبنانيين كما للعمال الأجانب، وحيث تفرض القوانين احترام الطبيعة، وتمنع الإعتداء على البيئة، وتحمي التراث الوطني مثلما تحمي صحة المستهلك".
الانتماء الطبيعي لـ 14 آذار مع الحركة التغييرية الجديدة في العالم العربي، تقوم على نقيض النظرة التي تقسم العالم إلى فسطاطَين "خير وشر"، والتي شكلت المرتكز الأساسي لسياسة إيران وحزبها وحلف الممانعة. ولذلك، فإن نشطاء وكوادر ومثقفي 14 آذار يدعون "للدفاع عن حق لبنان في المشاركة في رسم ملامح عالم عربي تعددي، ديموقراطي، حديث، محرر من استبداد الأنظمة الفاسدة، عالم عربي لا يسكنه العنف، وقادر بالتعاون مع المجتمع الدولي على أن يفرض على اسرائيل حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية"، طالما أن "ربيع العرب" سيضع حداً لأسطورة "الإستثناء الديموقراطي الإسرائيلي" في هذه المنطقة من العالم.
ما ستعلنه قوى 14 آذار، ومع تحالفها الموضوعي مع ربيع العرب، هو معركة استعادة "القرار الوطني الحر" وتحرير الدولة وتغليب الديموقراطية، معركة تقرير المصير لعلاقة لبنان مع العالم، ومع ما يشهده العالم العربي من انتقال تاريخي نحو القطيعة مع ماضي الديكتاتورية والخوف، وإقامة الجمهوريات الديموقراطية المستقلة.