ملامح تغيير فرنسي مع جوبيه لبنان مسرحه الرئيسي
عوائق دهمت سوريا تساهم في تعقيد تأليف الحكومة
يسود اعتقاد مستند الى ما ينقله سياسيون متصلون بـ"حزب الله". بأن الحكومة تنتظر فقط احياء ذكرى 14 آذار في نهاية الاسبوع على ان يصار الاعلان عنها على الفور على الاثر. الا ان مصادر ديبلوماسية ترى الامور اكثر تعقيدا مما يتم التعبير عنه داخليا خصوصا في ظل الاقرار بأن سوريا تشكل مرجعية اساسية في هذا الاطار. وهذا التعقيد ناجم عن جملة عوامل يطغى عليها الانطباع المعمم عن اعادة سوريا وضع يدها على لبنان والقرار فيه. اذ في حين ان هذا الامر صحيح بنسبة كبيرة على رغم ان قوى 14 آذار لا تريد ان تفتح الباب مجددا على تسعير الخلافات مع دمشق، فان ثمة عوائق اصطدمت بها سوريا ولم يسلط الضوء عليها على نحو كاف، بحيث ان ما حصل اربكها وليس واضحا ما هي الوجهة التي يمكن ان تلجأ اليها. هذه العوائق تتمثل في شكل اساسي في تسارع التطورات الانقلابية العربية بحيث يفترض ان تتبين سوريا ما تتجه اليه المنطقة في ظل ضباب لا يسمح بالرؤية في شكل واضح. الا ان هناك عوائق لم تتحسب لها سوريا او لم تقم لها وزنا كبيرا او اعتقدت انها ستتجاوزها نتيجة فرضها امراً واقعاً جديداً في لبنان يمكنها التفاوض عليه او ما شابه او ان تطورات المنطقة دهمتها وكانت النتيجة انها انتهت حتى الآن بإعادة العقارب الى الوراء في علاقتها مع المملكة العربية السعودية التي أنهى ملكها على ما بات معروفا المسعى الذي كان يقوده مع سوريا تحت عنوان السين السين. لكن سوريا اغضبت ايضا تركيا وقطر وان كان قريبون منها يعتقدون انها يمكن ان تحل هذه المشكلة التي نشأت معهما. والاهم انها اغضبت فرنسا حين افشلت مسعى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لعقد اجتماع لمجموعة اتصال حول لبنان على رغم ان ساركوزي كان البوابة التي قادت سوريا الى خارج عزلتها الدولية التي عانتها بعد التمديد للرئيس السابق اميل لحود واغتيال الرئيس رفيق الحريري. ومع تسلم ألان جوبيه وزارة الخارحية الفرنسية، بعد التعديل الوزاري الاخير الذي اجراه ساركوزي الاحد في 27 شباط المنصرم، ومواجهته تحديات مجموعة الديبلوماسيين الذين عرفوا بمجموعة "مارلي" نسبة الى المقهى الذي اجتمعوا فيه وأصدروا بيانا انتقاديا للسياسة الخارجية التي اعتمدها ساركوزي ازاء المنطقة، يصعب القول ان العلاقات التي اقامها ساركوزي مع سوريا يمكن ان تعود الى سابق عهدها. اذ تفيد معلومات مصادر ديبلوماسية عليمة ان الوضع سيكون اصعب من السابق أولاً مع جوبيه الذي يعرف لبنان وسوريا جيداً، ومعروف بقربه من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والذي يرفض ان يكون وزيرا للخارجية ناقص الصلاحية، ثم مع انتقال مهندس العلاقات الفرنسية مع سوريا في عهد ساركوزي كلود غيان الى تسلم وزارة الداخلية، واكثر مع ما تضمنه بيان الديبلوماسيين الفرنسيين من انتقادات صبت من ضمن ما صبت في اعتبار السياسة الخارجية التي اعتمدت فاشلة أزاء مصر وتونس وصولا الى ليبيا فاشلة وعدم استماعها أو أخذها بالتقارير التي يرفعها ديبلوماسيوها في الدول التي شهدت ازمات حادة، كما تصب في خانة اعتبار "ان السياسة الخارحية الفرنسية المعتمدة في الشرق الاوسط قد اصبحت غير مقروءة وتدخلنا في المآزق وتقوي أوراق سوريا". ومع ان هذا التطور غير مهم في سياق ما يجري في المنطقة من ثورات، لكن في اطار المعطيات الصغيرة المتعلقة بلبنان مباشرة تجزم هذه المعطيات بان لا مراعاة فرنسية لسياسة سوريا في المستقبل المنظور كما كان الوضع في الاعوام الثلاثة الماضية، مما يوضح الكثير من الارباك في تأليف الحكومة في لبنان وعدم القدرة على الحسم. وذلك علما ان الاتصالات التي اجريت مع بعض الدول المؤثرة من اجل تمهيد الطريق امام الحكومة لم تظهر نجاحا في تأمين عناصر مطمئنة الى القدرة على الاقلاع بحكومة طابعها الاقليمي سوري وطابعها المحلي تحالف يقوده "حزب الله" وهدفها المعلن هو النيل من المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري التي يرفض المجتمع الدولي اطاحتها في حين ان الدول المعنية بلبنان من حيث المبدأ تعتقد ان هناك هدفا لوضع اليد على لبنان لدفعه الى ان يكون في المحور الايراني. وتاليا فإن اي شبكة امان سياسية غير متوافرة للحكومة في الواقع على رغم وهم السيطرة والامساك بالبلد الذي يوحى به.
هناك عوامل اخرى ترى هذه المصادر الديبلوماسية انها قد تكون أتت في وقت غير مناسب لسوريا في ظل الانتفاضات العربية المتلاحقة مع تغليبها لعنصر الانفعال وربما الانتقام لاخراجها من لبنان بالطريقة التي أخرجت بها في نيسان 2006. فالخاصرة اللبنانية تبدو اضعف واكثر هشاشة مع استبعاد فريق لبناني اساسي له قضيته في لبنان باعتبار انه وعلى رغم عدم ترحيب قاعدة الرئيس سعد الحريري وفريق 14 آذار بأسلوب انفتاحه على سوريا، فان هذا الفريق التزم القواعد التي وضعها رئيس الحكومة. ومع اطاحة سوريا عبر حلفائها الحكومة برئاسة الحريري ورفضها عودته الى رئاسة الحكومة قد تكون ساهمت في فتح ثغر في الجدار اللبناني على نحو قد يقلقها في المدى المنظور لأنها نسفت بنفسها أسس التوافق ورفضتها في حين انها دخلت مع دول المنطقة على خط زلازل غير واضح الانعكاسات والتأثيرات في المدى المنظور.