#adsense

من الداخل الى الداخل !

حجم الخط

لم يكن الانقسام الداخلي بين معسكري 8 آذار و14 آذار أقل حدّة من واقعه الراهن حين شكّلت حكومة الرئيس سعد الحريري في تشرين الثاني من عام 2009، بدليل أن ثلثها المعطل اقترن ببيان وزاري كان بمثابة آية الغرائب اللبنانية في جمع التناقضات وفلسفة تحالف المختلفين. قيل آنذاك، أن عمر تلك الحكومة قد يحطم رقماً قياسياً ليس بفعل الصفحة الجديدة التي فتحتها مع سوريا فحسب بل لارتكازها الى واقع تسوية سلطوية داخلية "نادرة" أمكن اجتراحها بين المعسكرين وضمنت لكل منهما ضماناته الذاتية أيضاً.

وبصرف النظر عن كل الملابسات والظروف التي اسقطت الحكومة الحريرية وقلبت حقبة المهادنة التي كانت تمثلها كسلطة "فيديرالية" في حقيقة تركيبتها، يبدو لبنان الآن على مشارف تطور محفوف بمنسوب مرتفع من الخطورة بفعل إنعدام امكانات "التسوية" السياسية فيه التي غالباً ما شكّلت قدره الحتمي. فعند مشارف إحياء الذكرى السادسة لانتفاضة 14 آذار، تتشكل معادلة مثيرة للقلق البالغ في الإفصاح عن "المأزق الوطني" المتجدد وتتخذ دلالتها الخطيرة هذه المرة في انها تتجه من الداخل الى الداخل أكثر منها من الداخل الى الخارج. وبازاء هذه المعادلة لا يعود التعثر في تأليف الحكومة الجديدة سوى عارض عملاني أقل أهمية من المضاعفات الأكبر والأوسع لهذا المأزق الذي قد يكون مفتوحاً على أزمة حكم فعلية في النهاية.

لا تقف حملة قوى 14 آذار على سلاح "حزب الله" عند حدود تمرير الذكرى السادسة لـ"ثورة الأرز" وحشد مؤيديها وناسها وشدّ عصبها فحسب، بل هي حملة تحمل أفق الطعن الثابت والدائم بشرعية "حكومة السلاح" العتيدة، على ما تريد المعارضة الجديدة أن تثبته بخطاب تعبوي شديد النبرة ومقترن بهيكلية متجددة دائمة تطل حتماً على تنظيم المعركة الراهنة وصولاً الى "حرب" الانتخابات المقبلة.

في المقابل، لا يقف "حزب الله عند حدود تجاهله لهذه الحملة وصمته التكتيكي عنها، بل يبرز قدرته من الآن وقبل تشكيل الحكومة على منع التزام لبنان موجبات تفاهمه مع المحكمة الدولية ويفرض على الوزراء المعنيين رفض طلبات لجنة التحقيق الدولية، الأمر الذي لم تبلغه سوريا نفسها في تعاملها مع هذه اللجنة إذ وافقت ولو على طريقتها على استجابة كل طلباتها مع انها ليست مرتبطة مع المحكمة بأي مذكرة أو بروتوكول.

بذلك تكون معادلة انهيار التسوية الداخلية قد ارتسمت بالكامل قبل ولادة حكومة محاصرة بطرفي الصراع، ويصعب تماماً اسباغ تقديرات مسبقة على مسارها وسياساتها وأدائها في معزل عنهما. الحملة على السلاح لن تكون عارضة اطلاقاً، بل اضحت نهج معارضة ونهج تأسيس لمناخ صراعي طويل لن يقف إلا مع المراحل المتقدمة المنهكة للخلاف الجذري على تطبيق الطائف نفسه، باعتبار أن فريق 14 آذار بات ينظر الى المواقع الدستورية ولاسيما منها رئاستي الجمهورية والحكومة "كرهينتين" للسلاح.

ومناهضة المحكمة لم تعد خطاباً "عقائدياً" تعبوياً فحسب بل تحولت "أفعال حكم" واجراءات مانعة على أرض تمهد لولادة سلطة تكتب لها سياساتها سلفاً بفعل قدرة "حزب الله" على تجميد أي امتثال حكومي أو إداري أو سلطوي لطلبات المحكمة والتحقيق الدوليين.

هذان الخطان البيانيان المتصاعدان يكشفان ملامح الوجه المتجدد للصراع السياسي في لحظة نادرة لغياب المتورطين الخارجيين في المأزق اللبناني. ولعلها المفارقة الكبيرة التي تمنع مقارنة الحقبة الخطيرة المقبلة بما سبقها من حقبات. فحتى اللاعب السوري "القوي" كلاسيكياً، يغيّب نفسه أو يمعن في الانتظار والتريث هذه المرة نظراً الى شدّة خطورة المحاذير التي سيرتبها عليه حضور "فاقع" أو "زائد" فيما هو يعاين اوضاعه الذاتية وسط دومينو الزلازل العربية.

ولذا سيكون لبنان أمام اختبار غير مسبوق مع انهيار تسوية وانعدام بديلها على وقع احتدامين لكل منهما مضاعفاته وأكلافه المهرولة بسرعة تفوق قدرة العدّاد البطيء لتأليف الحكومة على حصر الأضرار.

المصدر:
النهار

خبر عاجل