لا يمكن حصر مرحلة من التاريخ في تعريف. ولكن يمكن تحديد الخطوط العريضة أو الأبعاد الثقافية والسياسية والاقتصادية لحقبة تمتدّ زهاء نصف قرن أو أكثر.
هل هو حقيقة بديهية القول إن القرارات السياسية هي رهن مناخ ثقافي؟ وإن تصرّفات الدول الغربية في مستهل القرن لا تختلف في ما بينها إلاّ هامشياً في ضوء الأحداث التي تؤثّر في كل منها على حدة؟
لم يسبق لزمن أن حفل بكل هذه الأيديولوجيات، ولم يسبق لخطاب معنوي وفكري أن كان مكبِّلاً إلى هذا الحد. تخنق الكليشيهات والكلمات والتوصيفات المحمَّلة بالاستنكار أو الساعية إلى إثارة الإعجاب الجماعي، حسن التقدير لدى الفرد. لعل الطبقات المتواضعة جداً في المجتمع والبسطاء الذين يعيشون بعيداً من الجماهير هم الوحيدون القادرون على أن ينهلوا من منابع المنطق السليم التقليدي من غير أن يتعرّضوا للعقاب.
أنشئت كل الحضارات وتطوّرت وفقاً للمبدأ القائل بأن النوعية أهمّ من الكمية. واليوم رُقِّي مبدأ حق الأكثرية إلى رتبة مبدأ مقدّس لا يمكن الانتقاص منه.
لكن قانون العدد غير قابل للتطبيق عند الاقتضاء إلاّ في مجتمع متجانس. وهو يصير استبدادياً وعبثياً وهمجياً عندما يُطبَّق في دول تتألّف من إتنيات مختلفة أو طوائف دينية مختلفة ومتناحرة في ما بينها، لأن الإتنية أو الطائفة الأكثرية ستفرض عندئذٍ ديكتاتوريتها على الآخرين. ويمكن تصوّر الامر فقط اذا كان ثمة توازن كامل للقوى بين الإتنيات، وهو أمر بعيد الاحتمال في الواقع. اضف ان قانون الأكثرية في مجتمع متجانس ليس مقبولاً إلا في إطار ديموقراطية تفترض سلفاً حرَكية التصويت. والأكثريات لا تكون قط ثابتة لأن خيار الناخب يستند إلى برامج المرشّحين أو الى الوعود التي يقطعونها. لذا فان الناخبين هم الذين يصنعون الأكثرية، بتصويتهم تارةً لهذا المعسكر وطوراً للمعسكر الآخر أو المعسكرات الأخرى. فكيف لآلية كهذه أن تكون ممكنة عندما تتألّف المجموعات الأكثرية أو الأقلية من إتنيات أو طوائف دينية؟ هل يتعين على المرء أن يُغيِّر دينه، وكيف ينتقل من إتنية إلى أخرى لضمان حسن سير الحركة الديموقراطية؟
يقتضي الواقع والانصاف اللجوء إلى نظام يأخذ في الاعتبار التطلّعات المشروعة لكل مجموعة. والدستور السويسري خير مثال في هذا المجال. يقودنا هذا إلى موضوع مطروح في لبنان حيث يجري الحديث عن تطبيق نظام لإلغاء الطائفية السياسية ضمن إطار قانون الأكثرية. قد يبدو للذين عكفوا سطحياً على درس المسألة، أن العلمنة وإلغاء الطائفية مترادفان. لكن الامر غير ذلك على الإطلاق؛ فما يحصل في البلدان الإسلامية هو العكس تماماً إذ يؤدي إلغاء الطائفية السياسية حكماً إلى الأسلمة. تستند العلمنة إلى تشريع للأحوال الشخصية موحَّد يخضع لقوانين الدولة ذاتها، دونما نظر الى المذهب او المذاهب الدينية. بعبارة أخرى، ان الكنسية او الاكليروس لا يتدخلان في سير الشؤون السياسية. أما إلغاء الطائفية السياسية، فلا يلحظ هذا الفصل؛ وإذا ما أُلغِيت الحقوق المكفولة في لبنان لكل طائفة، بموجب النظام الطائفي، فسوف تجد الأقليات الاتنية، أو الدينية، نفسها محاصَرة وغارقة في الأكثرية. وعندما تكون هذه الأكثرية إسلامية، لا يسعها إلا أن تتّخذ تلقائياً القرآن مرجعاً لها، وعندئذٍ تصير أسلمة البلد أمراً واقعاً، مع ما يترتّب على ذلك من تداعيات سلبية على الطوائف الدينية أو الإتنية الأخرى.