كتب شارل جبور: يسها عن بال البعض وهو يعدد انجازات البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الوطنية من مساهمته بإخراج لبنان من الحرب الأهلية إلى إخراج الجيش السوري من لبنان وما بينهما مصالحة الجبل وغيرها، يسها عن باله ذكر انجاز يوازي ما سبق أهمية وهو رفضه، طوال ربع قرن في سدة البطريركية، زيارة سوريا، علما أن رحلاته الراعوية في الداخل اللبناني والخارج الاغترابي سجلت رقما قياسيا في تاريخ البطريركية المارونية.
وفي هذا السياق، سأل البطريرك صفير في حديث لمجلة "المسيرة"، "ما الذي تغير لازور دمشق اليوم؟ عندما كانت سوريا هنا لم نذهب"، وأضاف: "انا لا اقول بمعاداة سوريا، نحن وسوريا جاران ولكن بين ان تكون هناك زيارات رسمية وبين ان تتحول الزيارات الى سوريا نحو دعم مصالح دمشق في لبنان فارق كبير جدا، فنحن لن نزور سوريا الا وطائفتنا معنا".
فالبطريرك صفير يختصر عبر هذا الموقف الهواجس التاريخية للمسيحيين حيال سوريا، وهو أن للأخيرة مصالح في لبنان، وأنها تستخدم أي انفتاح عليها تعزيزا لهذه المصالح، ومصالحها ليست من طبيعة اقتصادية أو تجارية، إنما من طبيعة ايديولوجية-عقائدية لا تعترف بوجود لبنان.
ومن هنا، لعل أي زيارة لدمشق قبل أن تبدل نظرتها حيال بيروت ستصب في خانة الأولى وعلى حساب الثانية، والتبدل في النظرة البعثية لا يختصر بخطوات شكلية لا تقدم ولا تؤخر في الاستراتيجية السورية، لأنه ما الذي اختلف، على سبيل المثال، قبل العلاقات الديبلوماسية وبعدها؟ لا شيء بالتأكيد، لأن الأساس يتمثل في النظرة السورية للبنان: لبنان الدولة أو لبنان الساحة. فالمسألة أبعد من ترسيم حدود وعلاقات ديبلوماسية ومعتقلين في السجون السورية على أهميتها، وهي ترتبط بدعم النظام السوري لحزب مسلح على الأرض اللبنانية بغية إبقاء الدولة معلقة وأبواب البلد مشرعة والأرض مستباحة.
فلا وجود، بهذا المعنى، لدولة اسمها لبنان بالمفهوم السوري، لأن هذا البلد هو مجرد "ورقة" للاستخدام خدمة لمصالحها، وبالتالي أدرك صفير، منذ البداية، أن أي زيارة يقوم بها لسوريا في ظل هذا الوضع، تعني تسليما بالأمر الواقع السوري ومساهمة بسورنة لبنان من قبل الجهة التي كان لها الفضل الأكبر بإنشاء هذا اللبنان، وهذا ما دفع البطريرك إلى إلغاء فكرة الزيارة من أساسها.
ولم يكتف البطريرك برفضه "أن تتحول الزيارات إلى سوريا نحو دعم مصالحها في لبنان"، إنما شاء ربط أي زيارة "محتملة" بإجماع الطائفة المسيحية على هذه الزيارة: "فنحن لن نزور سوريا الا وطائفتنا معنا"، وطالما يستحيل الإجماع، خصوصا في ظل رفض شريحة مسيحية واسعة استتباع لبنان لدمشق تحت أي عنوان أو ذريعة، فالزيارة مستبعدة ومؤجلة إلى أن تعترف سوريا باستقلال لبنان فعلا لا قولا.
وانطلاقا مما تقدم بالذات، يمكن فهم أو تفسير دوافع الحملة المبرمجة من قبل دمشق وأتباعها في لبنان على البطريرك صفير، هذه الحملة التي كانت مركزة في حقبة معينة على البعد السياسي دون الديني، ولكن "اكتشافها" لفعالية بكركي في زمن وصايتها على لبنان دفعها إلى التصويب على البعدين السياسي والديني من أجل فرطعة الجسم السياسي والكنسي في آن معا، وهذا ما يفسر دخولها من جهة على ميشال عون من باب اللعب على وصوليته وأنانيته وغريزته الرئاسية، ومن جهة أخرى على الشارع المسيحي من باب اللعب على وتره العاطفي-الديني بتصوير دمشق بأنها حاضنة للوجود المسيحي.
ففكرة "الحج إلى براد" لم تولد من عدم، إنما أساسها تبريد الاحتقان المسيحي الشعبي إزاء دمشق وتعطيل الحالة الرفضية ضدها كمقدمة "لشق" الشارع المسيحي وربطه بخيارات سياسية ذمية دخيلة على هذا الشارع. وقد طالعتنا إحدى الصحف مؤخرا بمقاربة تؤكد على السعي السوري باتجاه تبدية المسيحيين لخيار الحماية على خيار السيادة، حيث أن المطلوب وفق هذه القراءة أن يرى مسيحيو لبنان في «سوريا نموذجاً يحتذى في العالم على صعيد الترابط بين جميع أفراد المجتمع».
ولكن لم تخبرنا هذه المقاربة عن فضائل هذا النموذج من احترام حقوق الانسان والحريات السياسية على أنواعها إلى الديموقراطية وتداول السلطة والنظام الاقتصادي الحر والمبادرة الفردية وصولا إلى الشراكة المسيحية-الإسلامية ولبنان الرسالة لا "سوريا الرسالة". وكما يقول المثل الشائع "فعلا يلي استحى مات"، ألا يخجل هؤلاء القوم من أنفسهم أولا عندما يدعون المسيحيين إلى اعتبار سوريا نموذجا يحتذى به في زمن سقوط هذه الأنظمة البالية على وقع انتفاضة الشعوب العربية لكرامتها وحريتها وحقها في الحياة… إلا إذا كان الخوف أو بالأحرى المصلحة التي تقود هذا البعض إلى "ذبح" المسيحيين على مذبح مصالحه وأنانيته وحساباته… الضيقة والشخصية…
أما وبعد، قد تكون المأسسة ضرورية على مستوى الكنيسة، ولكن الأولوية تبقى لموقف هذه الكنيسة التي ساهمت في تأسيس الجمهورية اللبنانية والدفاع عنها في وجه الأطماع السورية والسلاح الإيراني، وفي مطلق الأحوال ما أهمية المأسسة لمجتمع من دون دولة أو لمجتمع في ظل "الدولة-النموذج" المدعوين إليها. فالأولوية سيادية، لا إصلاحية، على مستوى الكنيسة والوطن في آن، وكل الدعوات الأخرى هي مشبوهة ومكشوفة، خصوصأ أن ما يميز المسيحية اللبنانية عن المسيحية المشرقية هو هذه الحرية التي ما إن يخسرونها، في ظل الدعوة إلى الاحتذاء بسوريا، حتى تزول المسيحية بمفهومها وأبعادها وقيمتها عن هذا الشرق، ويزول لبنان كدور ونموذج ورسالة…
لم يكتف البطريرك صفير بتسجيل انجازات وطنية-سياسية في سجله، إنما شهدت الكنيسة المارونية في عهده حيوية استثنائية لم تعرف لها مثيلا، ويكفي في هذا المجال تعداد ما صدر عنها من أعمال وأوراق وبيانات ومبادرات بدءا من السينودس من أجل لبنان مرورا بالارشاد الرسولي وصولا إلى المجمع الماروني وثوابت الكنيسة المارونية.
ومع انتخاب بطريرك جديد تفتح البطريركية المارونية صفحة جديدة في تاريخ الكنيسة المارونية، حيث ثمة اعتقاد أن كل من سيعتلي هذا الكرسي سيشعر تلقائيا بالمسؤولية التاريخية الملقاة عليه، حفاظا على إرث ضخم وحرصا على مستقبل واعد لمسيحية يشكل النموذج اللبناني إطارها الأوحد والأمثل الذي يجب تعميمه. فالبطريرك صفير، وبخلاف ما روج ويروج، لم يكن يوما طرفا مع هذا الفريق السياسي ضد ذاك، إنما كان منسجما مع نفسه ومع ثوابت الكنيسة التاريخية، هذه الثوابت التي لا يمكن لأي بطريرك أن يضع نفسه على مسافة منها، فلا يوجد، على سبيل المثال، مفهومين للسيادة والاستقلال والحرية والاستقرار والدولة…إلا لدى من هم منتحلي صفة المسيحية واللبنانية…وإذا كان لنا أن نضع شرطا في هذا السياق هو أنه لن يمر أكثر من شهرين قبل أن يصطدم عون بالبطريرك الجديد… بمعزل عن هوية هذا البطريرك…
