#dfp #adsense

لبنان نحو العبور إلى الدولة أو العودة إلى الدويلات

حجم الخط

بين معركة 14 آذار لإسقاط السلاح ومعركة 8 آذار لإسقاط المحكمة
لبنان نحو العبور إلى الدولة أو العودة إلى الدويلات

لا يهم الناس كثيرا من يشكل الحكومة وكيف يشكلها بقدر ما يهمهم كيف "يحكم"، ولا يهمهم حكومة تضم الجميع بل ان تقوم بأعمال ترضي الجميع، وأول هذه الاعمال العبور الى الدولة وهو شعار قوى 14 آذار الذي لم تستطع تحويله الى قرار بسبب الخلاف على وجود السلاح خارج الدولة وتعذّر التوصل الى اتفاق على حل له، واذا بشعار العبور الى الدولة يكاد يتحول عبورا الى الدويلات.

لقد تباهى الرئيس الراحل الياس الهراوي بالقول في مذكراته إنه أعاد الجمهورية من الدويلات الى الدولة، وأنه تسلم الدولة "أشلاء متناثرة فسلمها جسما متكاملا تدب فيه الحياة".

وظل السؤال المطروح: هل عادت الجمهورية اللبنانية من الدويلات الى الدولة، أم عادت الدويلات الى الدولة لأن السلاح ظل خارجها وفي ايدي أحزاب ومجموعات لبنانية وغير لبنانية في مواجهة سلاح الدولة كلما اضطرب الأمن او بلغت الازمات السياسية حد الانقسام الحاد بين اللبنانيين فتكون الغلبة لحملة السلاح… وهي المشكلة التي عانت منها عهود وعجزت عن التغلب عليها فكانت الحروب الداخلية التي دمرت لبنان، وكان التدخل الخارجي فيها للتنافس على تحقيق أهدافه ومصالحه على حساب مصالح لبنان.

لقد كان البطريرك الكاردينال صفير أول من حذر من أخطار حمل السلاح خارج الدولة وخارج إمرتها حتى عندما كان هذا السلاح موجها نحو العدو الاسرائيلي، وتساءل: "من يضمن عدم ارتداده الى الداخل؟"، وقد صحّ ما حذر منه، وبات مطلوبا الآن الحصول على ضمانات تمنع استعمال هذا السلاح في الداخل، وهو ما جعل الامير طلال بن عبد العزيز آل سعود يقول في حديث الى "النهار" (كانون الاول 2009): "كيف يطمئن حزب الله اللبنانيين الى أن سلاحه لن يستعمل في الداخل بل ضد اسرائيل فقط سواء بالاتفاق مع الحكومة أو مع الجيش، واذا كان يرفض ان يكون تحت مظلة الحكومة او الجيش فقد تكون عبارة بالاتفاق حلا وسطا، فليس هناك في العالم من سلاحين".

الواقع إن المعركة التي ستواجهها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي العتيدة هي معركة السلاح خارج الدولة التي تخوضها قوى 14 آذار المعارضة في وجهها، وهي المعركة التي يتوقف على نتائجها مصير العبور الفعلي الى الدولة او العبور الى الدويلات، كما أنها ستواجه معركة اسقاط المحكمة التي تخوضها قوى 8 آذار وما قد يكون لذلك من تداعيات.

لقد أحالت الحكومات السابقة موضوع سلاح "حزب الله" على "هيئة الحوار الوطني" كي لا يؤدي البحث فيه داخل مجلس الوزراء الى خلاف يفجرها من الداخل، لكن البحث في هذا الموضوع في اجتماعات هذه الهيئة تحول حوار طرشان وراح يدور في حلقة مفرغة في اطار استراتيجية دفاعية لمواجهة اسرائيل، وتعددت الاجتماعات ولكن من دون جدوى الى أن توقفت بقرار من قوى 8 آذار دعا الى مقاطعة هذه الاجتماعات عندما بلغت حد حسم الموضوع، لأن "حزب الله" يرفض وضع سلاحه في تصرف الجيش وجعل إمرة استعماله للدولة، لأن لهذا السلاح "أجندة" تختلف بأهدافها وتوقيتها عن "أجندة" الدولة اللبنانية، إذ إن منها ما يتصل ليس بالصراع اللبناني – الاسرائيلي ولا حتى بالصراع العربي – الاسرائيلي فحسب، بل بالصراع الاقليمي والدولي في المنطقة ليكون لبنان ساحته. ولا أحد يعرف اذا كانت وظيفة سلاح "حزب الله" قد تغيرت او ستتغير بعد قيام انتفاضات شعبية في عدد من دول المنطقة ضد الحكام والانظمة فيها بحيث ان المنطقة كلها قد تصبح ساحة مفتوحة للصراعات بين المحاور التي يغير المنتصر فيها وجه المنطقة في اتجاه الديموقراطية الصحيحة التي تكون الكلمة فيها للشعب، أو في اتجاه الانظمة الشمولية والديكتاتوريات العسكرية او العقائدية او الدينية، او في اتجاه الانظمة الفيديرالية او الكونفيديرالية التي تمنع التقسيم.

إن أنظمة الدول في المنطقة تتعرض حاليا للتغيير بحركات عنفية من القاعدة ضد القيادة. فهل يتم التوصل الى تغيير النظام في لبنان بالوسائل السلمية والديموقراطية، أم أن تجارب الماضي علمت اللبنانيين ان التغيير لا يتم بهذه الوسائل خصوصا اذا كان السلاح خارج الدولة وبيد فئة من دون أخرى بحيث تستطيع أن تفرض شكل هذا النظام وصيغته. وهو ما حصل في لقاءات الطائف عندما خيّر اللبنانيون بين القبول بالاتفاق الذي تم التوصل اليه وأصبح دستورا للبنان او العودة الى المدفع…

ثمة من يرى أن لا عبور الى الدولة في لبنان، ولا حل لمشكلة السلاح خارج الدولة إلا بعد أن تنجلي صورة الوضع في المنطقة لمعرفة متى وكيف؟ هل تقوم انظمة متشددة في المنطقة مستعدة لمواجهة اسرائيل من أجل استعادة الحقوق المشروعة للعرب والفلسطينيين فيكون السلام عندئذ شاملا وعادلا، أم أنها مستعدة للدخول في مفاوضات مع اسرائيل لكن من موقع القوة والوحدة والتضامن فيأخذ كل صاحب حق حقه؟ ذلك أن في تاريخ المنطقة شواهد على ذلك، فلبنان لم يتخلص من حكم الدولة العثمانية إلا بانتصار دول الغرب عليها في الحرب العالمية الاولى، ولم يتخلص من الانتداب الفرنسي إلا بعدما انهزمت فرنسا أمام المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية وأصبحت الكلمة لبريطانيا، ولم يتخلص لبنان من حكم الدويلات والميليشيات إلا بدخول القوات السورية اليه، ولم يتخلص من وجود هذه القوات إلا عند اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه فكانت "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال". وقد لا يتخلص لبنان من مشكلة السلاح خارج الدولة، لتقوم الدولة اللبنانية القوية القادرة على بسط سلطتها على كل أـراضيها ولا تكون دولة سواها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها، إلا اذا انتهى انقسام اللبنانيين باتفاق على مفهوم الدولة هوية ونظاما وكيانا، وانجلت صورة الوضع في المنطقة، كون لبنان هو جزء منها ومرآة تعكس أرضه لعبة الأمم وصراع المحاور. فاذا كانت الوصاية السورية على لبنان استمرت 30 عاما وكلف التخلص منها اغتيالات ودما، فكم من الوقت يحتاج التخلص من سلطة السلاح ووصايته وكم هي كلفته؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل