#dfp #adsense

الله لا يحتاج إلى سلاح

حجم الخط

حين يستخدم "حزب الله" سلاح المقاومة في الداخل، يجعل من هذا السلاح مادة سجال سياسي، ومحور انقسام وطني، ويزج بنفسه وبسلاحه في خضم تساؤلات تجعل الشك اقوى من اليقين في مآل دوره، ومؤدى تقلباته.

ولا ينفع التهويل بكلام كبير، وعزف أوركسترالي من فريق الحلفاء، عن "السلاح لحماية السلاح"، في التعمية على حقيقة 7 أيار، التي سيكشف الزمن، في يوم ليس ببعيد، انها لم تكن سوى غلالة فضحت أكثر مما سترت: فلا الدولة كانت قادرة على فرض تغيير رئيس جهاز أمن المطار حينها (بدليل ان رئيس الجامعة اللبنانية اليوم يستفيد من رهبة السلاح، ليرفض تطبيق قرار مجلس الشورى بعدم تمديد ولايته) ولا قواها الأمنية كانت بالعزم اللازم لاقتلاع تمديدات شبكة اتصالات الحزب. أضف الى ذلك "السيناريو" المخابراتي الذي عظم في عين النائب وليد جنبلاط، الـ 14 آذارية يومها، هول ما يقوم به الأول، وما يعنيه استكمال الثانية.

لكن 7 أيار 2008 لم يكن موعد أول استخدام لسلاح الحزب في الداخل. فرهبته كانت وراء اعتصامات وتظاهرات مذهبية (امام مسجد عثمان بن عفان في رأس النبع) يوم الأول من حزيران 2006 عقب بث المؤسسة اللبنانية للارسال فقرة في برنامج "بسمات وطن" لعب فيها ممثل شخصية السيد حسن نصر الله. وكان الثمن المطلوب رفع الأخير الى مرتبة القداسة، وهو ما فرض على المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع، يومها، ان يتبناه حرفيا في بيانه بالنص انه " لا يمكن المساواة بين رمز المقاومة وأي سياسي وأي رئيس في البلد… فهذا الأمر يعتبر مساً بالمقاومة". وغالى البيان الى حدّ مساواة الامين العام للحزب بالنبي محمد، في معرض المقارنة بين "بسمات وطن" ورسوم الكاريكاتور الدانماركية الشهيرة.

قبل ذلك كانت العراضات العسكرية للحزب في الضاحية، في "يوم القدس" الذي أملاه مرشد الثورة الايرانية الخميني، رسالة تهديد لاسرائيل. وتطمين للداخل الى قوة المقاومة التي اجمع عليها اللبنانيون. لكن ما بعد دحر الاحتلال و"اكتشاف" مزارع شبعا التي تصر دمشق على تأخير الاعتراف "رسميا" بلبنانيتها، صار لاستعراض القوة معنى التهديد للداخل، الى ان نفذ هذا التهديد، وأسال دماء المدنيين في بيروت والجبل.

اذاً، هو الحزب وسلاحه في لب النقاش، وليس مقاومة اسرائيل. فهذه اسبق عليه، والايمان بها اعمق من دوره الطارئ عليها. والدروب اليها متعددة، وليس القتال الا واحداً منها. لكنه ليس الأوحد. واذا كان سلاح الأحزاب يصلح لها حينا، فان سلاح الدولة هو الأصلح في كل حين.

الجار الأقرب يعطينا دروسا وليس درسا في ذلك: سوريا تتعايش مع قضية احتلال وواقع سلب. احتلال هضبة الجولان، وسلب لواء الاسكندرون، والأخير تؤكد انها لم تتخل عنه لتركيا برغم تحسن العلاقات بين البلدين. مساحة الهضبة المحتلة نحو 1800 كلم مربع، ومساحة "اللواء السليب" 4800 كلم مربع بينما مزارع شبعا وشمال الغجر وغيرها لا تتعدى مساحتها 850 كلم مربعا. وايا تكن المساحات فان الوطنية السورية، شعبا ونظاما، ليست اقل نبرة من الوطنية اللبنانية ولو زايد فيها الحزب وسلاحه.

مع ذلك، تقاوم سوريا بالممانعة والجيش لا بالميليشيات والأحزاب، فيما يطالب اللبنانيون بأن تكون المقاومة قرار الدولة. تماماً مثل سوريا، على أن يكون سلاح مقاتلي" حزب الله" تحت هذا القرار.

غير ذلك، سيعطي صدقية لنظريات سياسية أفادت، منذ المصالحة السورية – الايرانية نهاية الثمانيات وما لحق بها من مصالحة حركة "أمل" مع "حزب الله"، بأن "الصفقة السياسية" تقضي بجعل "المقاومة" حكرا على الحزب، وصولا الى يوم يصبح فيه سلاحه اسنادا لدور ووزن في التركيبة السياسية الداخلية هما امتداد لحضنه الاقليمي. فكيف وهو يخاطب كل اطراف المجتمع السياسي والوطني من منطلق انتمائه الروحي، ويقدم ذاته الحركية ويبني شخصيته العامة وسماته الرئيسية وفقا لإيديولوجية دينية لا يماهيها ، وهوية مذهبية لا يواريها، وارث طائفي لا يماريه؟

العقدة امام حالة كحال "حزب الله"، ان أول رافضي وضع يده على الرأي العام اللبناني هم من يزعم اجماعهم على تأييد سلاحه، كضمانة لدور طائفة يحاول مصادرة قرارها، في بلد يقول تاريخ الحرب فيه ان الاجماع، في اي طائفة، هو من المستحيلات، ويكاد ذلك يكون سمة وطنية. فلا أحد وحده يمثل الحق المطلق، وما عداه يمثل الباطل. ولو أنه جعل لله حزبا.
قد يكون لله حزب.. . لكن الله لا يحتاج الى سلاح حزب لينتصر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل