#dfp #adsense

13 آذار: “بلطجية” النظام الأمني لن يمرّوا!

حجم الخط

تعود الجماهير الـ"14 اذارية" إلى الساحات. قد تكون هذه العودة هي الأهم والأخيرة في رحلة الدفاع عن الدولة. عناوين كثيرة لهذه العودة، لعلّ من أبرزها، رسالة واضحة سيوجهها الجمهور الاستقلالي إلى رموز "العهد الظلامي" الذي كان قبل العام 2005. شعار واحد: الشعب يسقط "عصر البلطجة".

يُدرك الجمهور الاستقلالي أن ما يحصل اليوم على الساحة السياسية، ليس بعابر، بل إن هناك محاولة خبيثة تهدف إلى إعادة الصلاحية لمن انتهى عهدهم. ويُدرك أيضاً ان في 13 اذار، سيقول لمن يهمّه الأمر، ان زمن النظام الأمني لا يمكنه العودة بهذه البساطة، لأن هناك من سيواجهه، وعلى جري عادته، بالطرق السلمية. وهذه المواجهة، سترسم كما كان الأمر عام 2005، الخطوط العريضة لاستكمال ثورة الأرز، بعد أن صودرت هذه الثورة من قبل من حمى "بلطجيي" الظلام في السابق، ومن يحاول إعادتهم إلى وضح النهار اليوم.

"ما تخافوش يا عيال.. أصل دول بلطجية".. بهذه الكلمات توجه جورج اسحاق إلى شباب ثورة مصر، حين قرر الرئيس المخلوع حسني مبارك أن يقمع التظاهرات في وجه نظامه، فأرسل إليهم ما توفّر من أناس "متحضرين"، غاروا على "الثوار" بالجمال والخيول، مقدماً صورة عن الحالة التي أوصل إليها البلاد والعباد.

ذلك المشهد، كان الأكثر تعبيراً عن الفارق الشاسع بين عقلية الحاكم بأمره والشعب البسيط، الساعي إلى كسر القيود والتحرر من طغيان طال أمده، وهذا المشهد أيضاً، أتى ليُثبت للعالم أحقية ما يقوم به هؤلاء الشباب. نظام رجعي يعيش في العصر القديم، يواجه جيلاً يتحصن بالحداثة. جمال في مواجهة الإنترنت. واقع مرّ، لأنظمة ذهبت وستذهب بمرارتها إلى حيث اللاعودة.

هذا المشهد في ميدان التحرير، يعيد اللبنانيين إلى العام 2005 وما قبله، حين كانت "البلطجة" هي المحرك للحياة السياسية فيه، وهي "البعبع" الموضوع على الرف، والذي بالإمكان استعماله في أي وقت، تحت شعار واحد: هناك من يوهن نفس الأمة، وهؤلاء يجب عدم التعامل معهم سوى بالقمع والضرب.

يتحدث الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي عن الأنظمة الديكتاتورية وطريقة تعاملها مع شعوبها لفرض إرادتها عليهم، و"القوّة" أو "الخوف"، بحسب تعبيره، هي الوسيلة الأكثر اعتماداً، فهذه الأنظمة القائمة على الترهيب، ترى في العنف والتهديد به، الطريق الأسهل لكبح جماح أي حركة قد "توهن نفس الأمّة".. ويقدم تشومسكي مثالاً على هذا النوع من السياسة، ويقول إن الأنظمة تحاول ترك العنف الحضري يتنامى، أو تنظيم تفجيرات دامية، حتى يطالب الشعب بقوانين أمنية على حساب حرّيته.. وهذا ما تعتمده غالبية الأنظمة في المشرق العربي.

وهذا بالتحديد ما قام عليه النظام الأمني قبل العام 2005، فكان من يتحكم بالنظام يستمد هذه السياسة من "الأقربين"، ليفرض نفسه حاكماً ومتحكماً بأدق التفاصيل. في ذلك الوقت كان من يريد أن يتكلّم ضد الحكم، عليه أن يتأكد من ان الجدران لا تحمل آذاناً صاغية.. هو الرعب بعينه، حين يتحوّل عنصراً يُثقل كاهل المواطنين.

يطول الحديث، وتتشابه الوقائع. حركات التحرر التي ولدت وستولد، قوبلت وستقابل بزمر من المأجورين. الأمر طبيعي. أنظمة قامت على القمع، لن تتراجع عن سياستها تحت تأثير شعارات الحرية والديموقراطية، بل إنها ستتشدد أكثر. لا ديموقراطية حيث الشمولية. لا حرية تعبير حيث الديكتاتوريات. لا حقوق إلا ما تمنّ سلطة الأمر الواقع به على مواطنيها.

كيف بدأت البلطجة في لبنان؟
سؤال يطرحه الكثيرون، من عايش فترة الوصاية يعلم جيداً الإجابة عن هذا السؤال. في المقابل، هناك أيضاً من كان يستفيد من هذه "البلطجة". هو بالطبع لا يرى فيها أي شيء خارج عن المألوف، لأنها وبكل بساطة كانت الضامن لاستمراره. هذا القائد الفاقد لكل صفات القيادة. وذاك العنصر المتحكم، الذي لن يجد له حيثية تُذكر إلا في نظام قمعي أمني، يمارس فيه ما طاب له من "البلطجة".

أطرف ما في "البلطجة" اللبنانية، أن "البلطجيين" لا ينتمون إلى طبقة واحدة. في مصر مثلاً، كان هناك "زلم" النظام، هؤلاء مجموعة من الموظفين الذين يستخدمهم مبارك عند كل محطة يريد من خلالها إرهاب مواطنيه. الإنتخابات التي سبقت الثورة خير دليل على عمل هؤلاء. ولكن بشكل عام، هم أناس ذنبهم أنهم عاطلون من العمل، يتحينون فرصاً كهذه لتكون مصدر رزقهم.

أما في لبنان، فحدّث ولا حرج عن طبقات كانت "تبلطج" كيفما تشاء. هناك من السياسيين الكثير، من الأمنيين أكثر، من رجال المخابرات ما لا قدرة على إحصائهم، مخابرات محلية و"أجنبية"، فئات واسعة من المأجورين، وحدهم هؤلاء يشبهون في مكان ما، "بلطجية" ميدان التحرير.

ولعلّ الأحداث الكثيرة التي طبعت مرحلة الوصاية، هي المحفزّ الأول والأساسي للبنانيين، لتزخيم الثورة من جديد، كي لا يعود أولياء الظلام ليعيثوا في البلاد فساداً ما بعده فساد. والصورة التي رُسمت في تلك الفترة، سقطت وانكسرت، فكيف لمن أسقطها ان يسمح لها بالعودة من جديد، وبطريقة أعتى وأقسى من الماضي القريب؟

بعد نداء المطارنة الموارنة الشهير في العام 2000 ومصالحة الجبل، ارتسمت في الأفق معالم مرحلة استقلالية ستأتي لبنان عاجلاً ام آجلاً. تأهب النظام الأمني وبدأ يضرب مواعيد مع القمع، منعاً لأي فعل تحرري قد يُشكل، إن حصل، تمهيداً لثورة محتملة.

أمام المجلس العدلي، أعطى النظام الأمني اوامره لضرب "المفسدين في الدولة وامنها"، فكانت احداث 7 و9 آب. اعتُقل من اعتُقل. ضرب من ضُرب. شباب اليسار واليمين اللبناني، كلّهم في خندق واحد، وأمام امتحان وحيد: مواجهة مع مخابرات تُمسك بكل شيء. نظام يُدمر كل شيء كي يبقى. حتى وإن وصل به الأمر إلى تدمير النظام بأكمله.

آنذاك كان رجال رستم غزالي وغازي كنعان، ومن بعدهم جميل السيّد والقافلة الطويلة التي لا تنتهي بعدنان عضوم، حاضرين لأي أمر عمليات من أجل الحفاظ على ما هم أوكلوا بالحفاظ عليه، وطن ليس فيه من يقول "كلا"، وطن ليس فيه من يتجرّأ على المناداة بالديموقراطية، ولا على رفض سطوة الطابور الخامس على حياتهم، تحت أي مسمّى.

في نيسان من العام 2001، حاول شباب "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"التيار الوطني الحر"، وطلاب شيوعيون والمجموعات اليسارية الذين انضووا فيما بعد تحت راية "اليسار الديموقراطي"، أن ينظموا حفلاً غنائياً في وسط بيروت. بدأت التهديدات تتوالى على المنظمين، تراجع بعضهم تحت وطأة الحدة التي تعاملت بها المخابرات مع ذلك الحدث.

سمير قصير كان حاضراً في تلك الفترة، بل بالأحرى كان في مكان ما هو المحرّك و"الدينامو" لكل ما يحصل، فطموحه أبعد بكثير من ان يكون محاصراً بمخابرات تقضي على كل حلم. أدرك النظام الأمني أن الأوان قد آن لوقف ما يقوم به قصير. انتظره الأمن العام على مطار رفيق الحريري الدولي عام 2001 ليعتقله، والحجة ان جواز سفره مزوّر.

وصلت الرسالة. تحرّك رفاق سمير قصير في اليسار وغير اليسار، التقوا في "جنينة الصنائع" للتوجه والاعتصام أمام وزارة الداخلية. حان وقت "البلطجة". صدر امر العمليات فتحركت المخابرات من كل حدب وصوب لوقف اعتصام سلمي، يهدد الأمة من أقصاها إلى أقصاها. حضر العنف. كانت الدماء. شيء لم يتغيّر، هنا دولة المخابرات.

"السواطير"، كانت آنذاك موضة جديدة يُدخلها النظام الأمني على الأسواق السياسية اللبنانية. "الأحباش" كانوا أبطالها، عند كل محطة كان النظام يستدعي مجموعات من هؤلاء، فيلبّون نداء الواجب، تبدأ التظاهرات من البربير وبرج أبي حيدر، سواطير تُرفع للأعلى، شعارات تهتف للوصاية وأسيادها. زرع الذعر لدى الناس كان الهدف، و"وحشية" بعض المجموعات كانت الوسيلة.

من البربير إلى ساحة الشهداء، خط الإنطلاق الدائم، والطريق الجاهز لاحتضان "بلطجية" النظام بسواطيرهم المسنونة فوق أعناق أبناء الوطن، وكل من يحاول رفع الصوت عالياً لرفض الممارسات الكيدية، وحكم الأجهزة الأمنية.

في اليوم المشؤوم، حين قرر النظام الأمني التمديد لرئيس الجمهورية السابق إميل لحود، نزلت مجموعة من الناشطين في "اليسار" ومعهم آخرون إلى ساحة الشهداء، واعتصموا هناك رفضاً للتمديد. قبلها بساعات، كان رستم غزالي شخصياً يتصل بمن دعوا إلى الاعتصام، ويقول لهم ما حرفيته: "إذا مشيتوا بالمظاهرة، الدبان الأزرق ما رح يعرف فيكن".

لم يبال أحد لتهديدات غزالي، نزلوا إلى ساحة الشهداء وكان عددهم ما يقارب المئة شاب وشابة، كان غزالي حذراً في التعامل معهم، فالبلاد لم تكن على ما يرام وملامح التحول بدأت تظهر تدريجياً، فما كان به إلا أن أرسل "بلطجيته" وبالمئات، حاملين صور الرئيس السوري بشار الأسد ولحود، هاتفين بروح كل منهما، حينها تدخل الجيش ليفصل بين المتظاهرين، بعد أن تبيّن أن نيّة المؤيدين للتمديد لم تكن رفع الشعارات بل اجتياح الرافضين لهذا الواقع.

حصل التمديد. صدر القرار 1559. محاولة اغتيال النائب مروان حمادة كانت البداية، قام أحدهم بإرسال طرد إلى عائلة الشهيد غازي أبو كروم فيه أشلاء من جثة الشهيد. حمادة كان لديه شريط يُظهر صورة من وضع له العبوة الناسفة، سلّمه إلى القضاء. اختفى الشريط فجأة. هي "البلطجة" المنظمة، والخبيثة.

بعدها، حصل الزلزال الكبير، اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، بدأت المعركة. يومها وبعفوية، خرجت مسيرة ليلية في مار الياس، تداعى بوجهها "البلطجيون" وانهالوا على كل من يشارك فيها بالضرب. كما خرجت مظاهرة من مستشفى الجامعة الأميركية إلى الكولا، تعرّضت لها المخابرات محاولة إيقافها. استمرّت المظاهرة، انتهى الخوف. كان المؤشر الأوّل لبدء التغيير، للانتفاضة.

في احد الأيام، قام النائبان السابقان عدنان عرقجي وباسم يموت بزيارة ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. دخلا إلى باحة الضريح ومعهما مجموعة من المسلحين. اعترض البعض على طريقة دخولهما، فانهال مرافقو النائبين بالضرب على المعترضين. طُلب منهما الخروج مع "بلطجيتهم" من المكان. خرجوا، تجمعوا على "الرينغ" وحشدوا مناصريهم، إلا أن حضور الأجهزة الأمنية منعهم من العودة إلى المكان.

تحمّس شباب "التيار الوطني الحر"، اعتبروا أن الأوان قد آن لدخولهم إلى مناطق كان يمنعهم النظام من دخولها. افتتحوا مكتباً للتيار في منزل كان يملكه الناشط العوني زياد عبس، فما كان من "البلطجيين" إلا أن دخلوا على "العونيين" وضربوهم، وعادوا بعدها ليعتقلوا الناشط شادي مراد ويأخذوه إلى "البوريفاج"، فبدأت الاتصالات سريعاً، ليفرج عنه بعد حين.

كل هذا لا يعدو كونه صورة منقحة عمّا كان يقوم به ذلك النظام. انتهت هذه الأمور، وبقي من "يُبلطج" على كل من يشارك في التظاهرات التي أطلقتها دماء رفيق الحريري. من الخندق الغميق والبسطة وحي اللجا والشياح. يتربصون بكل من يحمل علماً لبنانياً متوجهاً إلى ساحة الحرية، يشتمونه، يضربونه، يذهب الضحايا، لطفي زين الدين الدليل الصارخ على ذلك.

قبل خروج الجيش السوري، بدت البلاد وكأنها تخلع عن كاهلها عبء السنوات المظلمة والظالمة. كان هناك من يريد لهذه الظلامية أن تستمر. من غير عاصم قانصو وناصر قنديل أقدر على لبس "الكفافي" والنزول إلى شوارع بيروت، هاتفين بحياة الرئيسين بشار الأسد وإميل لحود، ومطالبين ببقاء الوصاية؟.

هو المشهد الذي لا ينسى، حين "يذهب" صوت طبقة من السياسيين "تُبلطج" كيفما تشاء أدراج رياح التحرر. هذه هي الطبقة التي "لن يسمح لها جمهور الأرز بالمرور" في العام 2011… بعد خمسة ايام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل