كتبت دنيز رحمة فخري في صحيفة "الجمهوريّة":
لم يعد خافيا على أحد أنّ "الطبخة" الحكومية ليست على نار قوية، ولم يعد طبّاخوها يستعجلون نُضجها كما في أول أيام التأليف، لا بل المؤشرات كلها تشير الى أنها رُفعت عن النار نهائيا، وأعيدت الى الثلاّجة، في انتظار نضج الظروف الخارجية والداخلية معا للمضيّ بها.
في كواليس فردان، تتحدث أوساط الرئيس المكلَّف نجيب ميقاتي عن أن لا تشكيلة وزارية قبل شهر نيسان المقبل، الامر الذي يوحي بأن ميقاتي لا يريد دخول السراي الحكومي الكبير إلاّ وفقا لتوقيته… بعد أن يكون تجنّب وحكومته "الطرية العود" الاستحقاقات الداهمة، لعلّ أبرزها القرار الاتهامي الذي ستصدره المحكمة الدولية الخاصة بلبنان…
في انتظار ذلك، قرر ميقاتي التزام سياسة الصمت، فيما أوساطه تقول: "للرئيس كل الوقت في إنهاء مهمته"، وتنفي في المقابل أي ارتباط بين التأخير في التشكيلة الوزارية، وأي استحقاق مستقبلي، وتعتبر أنّ المشكلة محصورة بمعالجة المطالب التي تحفظ للرئيس المكلَّف دوره الدستوري في تأليف الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية، وتذكِّر بأنّ العِقَد المتمثلة بمطالب السلّة المتكاملة لا تزال هي هي، علما أنّ أي لقاء مباشر لم يحصل في الأيام المنصرمة بين ميقاتي ورئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، على رغم استمرار التواصل بينهما عبر شخصيات سياسية واجتماعية غير الوزير جبران باسيل. وتحرص أوساط ميقاتي على عامل الكتمان لضمان نجاح الاتصالات القائمة، وتتحدث عن اتصالات دولية وعربية غير معلنة تخالف أجواؤها ما يتردد من هنا وهناك.
وفي المقابل، تبدو الصورة مختلفة في معسكر فريق الأكثرية الجديدة، وإن كان أطرافه يحرصون على إمداد الرأي العام بجرعات أمل عن ولادة قريبة للحكومة العتيدة.
ويبقى اللافت صمت "حزب الله"… هو الذي آثر الوقوف على الحياد، بعد أن تمّ ما تمّ… وبعد أن عبر بميقاتي استشارات التكليف، على الأقل في العلن… فأين هو الحزب من التطورات الحاصلة كلها؟
خاض "حزب الله" معركة إسقاط الرئيس سعد الحريري بهدف الوصول الى إلغاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان "الاسرائيلية الاميركية الصنع" حسبما يقول. إستعجل قرار الإلغاء وبات في المرحلة الماضية في سباق مع الوقت. لم يقبل الانتظار حتى مهلة يومين الى حين عودة الحريري من رحلته الى واشنطن، حتى سدّد وزراؤه مع الحلفاء "الضربة القاضية"، فاستقالوا وأسقطوا الحكومة…
لكن قرار إلغاء المحكمة لم يأت… و"حزب الله" الذي كان يتمتع بغطاء شرعي في حكومة التزمت حمايته وسلاحه في بيانها الوزاري، فقد ذلك كله… والحكومة التي استعجل تأليفها من أجل مواجهة المحكمة لم تأت…
وللرئيس المكلف حسابات أخرى… صحيح أنه لم يقدّم تعهّدا لفريق "14 آذار" بحماية المحكمة، لكنه التزم ثوابت اجتماع دار الفتوى الاستثنائي، بما فيها تحقيق العدالة، وأدرك على الفور تبعات حكومة اللون الواحد، وسمع كلاما غربيا وأميركيا واضحا عن خطورة نقض حكومته للالتزامات الدولية وتأثيرها في علاقات لبنان بالمجتمع الدولي، فقرر كسب الوقت، فيما عامل الوقت لا يناسب الحزب…
وبعد… على جبهة السلاح، تحوّل الموضوع "التابو" الى موضوع يتداوله نصف اللبنانيين، والى أزمة وطنية، وخسر الحزب في الحريري حليفا لسلاح المقاومة، ولقي فيه عدوّا شرسا لم يعد يقبل المساومات… انتقل سلاح الحزب من طاولة الحوار في عهد حكومة الحريري، الى مادة خلافية وعنوان لمعركة لا تراجع عنها، تقودها قوى "14آذار".
فماذا حقّق الحزب من كل ما حصل منذ التكليف وحتى اليوم؟ وهل أصبح في مأزق بعد كل الذي قام به للخروج من المأزق؟
لن يكون خيار الضغط بالسلاح أو بـ"القمصان السود" متاحا بعد الآن، بحسب أوساط سياسية متابعة، فالمرحلة دقيقة والمنطقة على كفّ عفريت، ولبنان تحت المجهر… وحتى من يمكن أن يتدخل للمساعدة منهمك حاليا بأوضاعه الداخلية… أما اللجوء الى القوة لتحقيق ما لم يتحقق بعد، فسيكون، بحسب الاوساط نفسها، كمن "يضع الماء في طاحونة "14 آذار"، ويثبت ما تعلنه في كل مناسبة ومع كل طلعة شمس، المقولة إيّاها بأن "السلاح تحوّل من الحدود الى الداخل وبات فعلا أزمة وطنية"…
قد يكون المخرج اعتماد مزيد من الضغط على الرئيس المكلف لحضّه على الإسراع في التكليف، لكن ميقاتي يبدو حتى الآن… في منأى عن هذه الاعتبارات كلها، إلاّ إذا…