كتبت مي الصايغ في صحيفة "الجمهوريّة":
لا يوفّر رئيس "جبهة النضال الوطني" وليد جنبلاط اي مناسبة الا ويطلق سهامه في اتجاه قوى "14 آذار"، وينعتها بأقسى الصفات والعبارات. والمستغرب انّ هذه القوى تحاشت، ولا تزال، الدخول في أي سجال مع هذا الرمز الذي شكل رافعة لـ "ثورة الارز" غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مؤثرة دوما إيجاد "اسباب تخفيفية" له.
لكن هذه الاسباب التخفيفية تثير تساؤلات عدة، منها: لماذا تصمت "14 آذار" عن انتقادات جنبلاط اللاذعة، والتي ما زالت في تصاعد منذ نيسان 2009؟ وهل يُبطن صمتها هذا رهانا على عودته الى صفوفها؟
فقد بدأ "الانتقاد الجنبلاطي" لقوى "14 آذا"ر منذ نيسان 2009 عقب انتشار شريط مصور التقطته كاميرا هاتف خلوي خلال خلوته الشهيرة مع بعض مشايخ الطائفة الدرزية، في دارة المرجع الروحي الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، والتي وصف فيها حلفاءه المسيحيين من "كتائب" و"قوات لبنانية" بـ"الإنعزاليين".
لكن قوى "14 آذار" تجاوزت هذه الواقعة، وحاولت هضمها، وخصوصا انّها كانت على موعد مع الانتخابات النيابية في صيف ذلك العام، حيث خاضت هذا الاستحقاق موحدة الصف.
طويت صفحة الانتخابات، واستكمل جنبلاط بعدها استدارته في 2 آب 2009، امام الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي في فندق البوريفاج، عبر انسحابه من تحالف "14 آذار"، بحجة انّ هذا التحالف الذي "إقتضته الضرورة"، "انتفت اليوم غاية وجوده" على حد تعبير البيك. وأسهب في شرح دوافعه، مذكّرا بأن "كل ما فعله وسيفعله هو لمعالجة رواسب 7 أيار 2008". وقد ابدت الأمانة العامة لقوى "14 آذار" في ذلك الوقت تفهمها للرؤية التي قدمها جنبلاط للوضع الداخلي والاقليمي.
امّا اليوم، فلا يبدو انّ قوى "14 آذار" استفاقت من "الضربة الموجعة" التي سددها الزعيم الدرزي في مرمى حلفاء الامس، والتي تمثلت بإعلانه في كانون الثاني الماضي، وقوفه "الى جانب سوريا والمقاومة"، متخليا عن الرئيس سعد الحريري، وتسميته الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لتأليف الحكومة العتيدة.
ضربة لم تستطع قوى "14 آذار" تحمل وقعها، إذ تصاعدت اصوات داخل صفوفها، وعلى وجه الخصوص من تيار"المستقبل"، متهمة جنبلاط بـ"الخيانة"، لتعود وتلتزم رسميا التهدئة في مقابل التصريحات النارية لجنبلاط.
غير انّ هذا الخطاب الملطّف نسبيا على المنابر، يبدو متناقضا مع ما يجري خلف الستار. وهو ما اكّدته مصادر رفيعة المستوى في تيار "المستقبل"، والتي افادت "انّ جنبلاط لم يقصّر منذ 2 آب في تقديم اوراق اعتماده الى قوى "8 آذار". وقد شبهت هذه جنبلاط "بالفاخوري الذي يضع أذن الجرة على كيفه". فهو قادر على ايجاد "تعليلات لمواقفه"، و"عندما يقرر ان يمشي مع جهة، يدافع عن موقفه بحدة من منطلق اخلاصه للحظة السياسية التي هو في صددها". واشارت إلى انّ "هذا منهج يعتمده جنبلاط، تأكيدا لإخلاصه للموقف الجديد"، مستذكرة المفكر المصري محمد حسنين هيكل "الذي ابتدع فلسفة خاصة لتبرير نكسة 1967"، في سعيها الى ايضاح موقف جنبلاط الذي "يحاول السير على خطى هيكل لاسباغ الشرعية على خياراته السياسية".
وإذ تنفي هذه الاوساط إمكان عودة جنبلاط إلى صفوفها، فإنها تشير الى "انّها ليست في وارد المراهنة على ذلك"، مبدية حسرتها على عدم نجاح "ثورة الارز" في لبنان. واعتبرت انّ الثورتين الحقيقيتين هما "ثورة الياسمين" في تونس و"ثورة اللوتس" في مصر، عازية سبب نجاهما الى حدوثهما في مجتمع متجانس، غير عشائري، او منقسم سياسيا في شكل عمودي، على نحو مغاير لما يجري على الساحة اللبنانية.
مصادر قيادية في "14 آذار" تعتبر انّ جنبلاط "يقوم بتسديد الفواتير الى "حزب الله"، وسوريا، وانّ ما قام بتسديده في المرحلة السابقة لم يكن كافيا. فعند كل استحقاق، تستحق على الزعيم الدرزي سندات يقتضي تسديدها". وكان جنبلاط بدأ منذ 2 آب 2009 "تسديد هذه الدفعات"، مع انسحابه من قوى "14 آذار"، في حين مثّلت مطالبته بالتخلي عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان "الدفعة الثانية"، بعد ان كان اكّد في وقت سابق "انّ انطلاقة المحكمة هي ثمرة جهود الشعب اللبناني، ولا سيما الشباب"، وذلك في اثناء استقباله في المختارة طلاب "14 آذار" في الجامعة اليسوعية في شباط 2009. امّا "الدفعة الثالثة"، فـ"سددها في اثناء الاستشارات النيابية، عبر تخليه عن حليفه الحريري"، وتسميته ميقاتي لتأليف الحكومة العتيدة.
وتضيف هذه المصادر انّ الاتصالات لم تنقطع مع جنبلاط على رغم خروجه من "14 آذار"، "لأن ليس هناك من خلاف عميق بين الطرفين، وانّ الامر مجرّد بروباغندا".
وتقول اوساط "14 آذار" أن ما يمنعها من الدخول في سجال مع جنبلاط، هو "إدراكها في قرارة نفسها انّ رفيق الامس ليس مقتنعا بخياراته الجديدة، وأنّ تموضعه الجديد الى جانب سوريا والمقاومة لم يتخذه بملء ارادته، فهو ارغم بقوة السلاح على تغيير مواقفه". ولهذا السبب قرر قادة "14 آذار"، حسبما يؤكد نائب رئيس حزب الكتائب سجعان القزي، "ترك مقعد فارغ للبيك، على ان يتم وضع وشاح "ثورة الارز" من اللون الابيض والاحمر على هذا المقعد، بما يوحي أن جنبلاط حاضر بينها".
إذاً، تراهن قوى "14 آذار" على عودة جنبلاط الى صفوفها، وتمنّي النفس بما بدأه جنبلاط مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، من مصالحة تاريخية، بين الدروز والمسيحيين العام 2001 والتي تحتم عليه المحافظة على علاقته مع القوى السياسية المسيحية.
والسبب الثاني الذي يدفع قوى "14 آذار" الى عدم قطع "شعرة معاوية" مع البيك، هوالعلاقة التي تربط قوى المعارضة الحالية بالقاعدة الجنبلاطية والدرزية التي تتوقع مشاركتها بكثافة في احتفال 13 آذار. إذ تنتظر قوى "14 آذار" من جنبلاط بعد "ساعة التخلي" التي حاول فيها تبرير مواقفه الحادة من سوريا، "لحظة تجلٍ تعيده الى موقعه الطبيعي في طليعة ثوار الارز".
امّا الامانة العامة لـ"14 آذار"، والتي لطالما إتُهمت بالتغريد خارج سرب هذا الفريق، ولا سيما لجهة هجومها على جنبلاط، فترى على لسان منسقها الدكتور فارس سعيد "انّ جنبلاط يطلب الاشتباك لاغراض خاصة، لتحسين صورته" في الموقع الذي هو موجود فيه. ويقول سعيد انّه يريد "تفويت هذه الفرصة على جنبلاط"، إذ انّ هناك رأيا عاما يمثله، "ونحن نكنّ له الاحترام"، مختتما بالقول: "لا يزال الوقت مبكرا على عودة جنبلاط الى صفوف ثورة الأرز"، من دون ان يستبعد هذه العودة.
غير أنّ "شعرة معاوية" التي حافظت عليها قوى "14 آذار"، قطعها جنبلاط امس عبر مطالبته رفاقه ومناصريه في "الحزب التقدمي الاشتراكي"، عدم المشاركة في تظاهرة 13 آذار، متهما حلفاء الأمس بـ "الحَض على الفتنة والكراهية والتحريض على الطائفية والمذهبية". وكانت اوساطه اشارت إلى انّ عودة زعيمها الى صفوف "14 آذار" باتت "امرا مستحيلا"، لافتة الى انّ الحديث عن هذه العودة هو من "باب التكهنات".
ولكن يبدو انّ جمهور جنبلاط في مكان، وهو في مكان آخر. وهذا ما يفسر كلامه الأخير. هذا الجمهور الذي بقى لسان حاله يردد "انّ انتينات البيك لا تخطئ"، مع كل استدارة سياسية كان يقوم بها، الامر الذي يدفع الى التساؤل: هل سينتفض جمهور الزعيم الدرزي في 13 آذار ويعود الى ساحة الحرية؟