#dfp #adsense

بين ميقاتي و8 آذار: حديث عن “فاولات”

حجم الخط

تساؤلات وهواجس بدأت تطلق داخل فريق 8 آذار حول اختيار الرئيس نجيب ميقاتي، الذي لم يكن هناك مفر من اختياره لتشكيل الحكومة عقب إسقاط حكومة سعد الحريري.

أولى هذه التساؤلات ولد من مراقبة الرئيس المكلف، وهو يأخذ وقته ويتهمل رويدا رويدا في تأليف الحكومة. وهذا التمهل، على رغم المهل التي "أُنذِرَ" بها ميقاتي، ما زال تمهلا، وكأنّ الرئيس المكلّف يلعب لعبة تطويل الوقت وليس ضد 14 آذارفقط، بل في مواجهة "حزب الله" وحلفائه الذين بدأوا يسمحون للاستياء من التطويل بأن يظهر في وسائل الإعلام على شكل رسائل اعتراض، تارة عبر رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون وشروطه، وطورا عبر تصريحات نارية للناطقين غير الرسميين باسم "حزب الله".

ولا تكتم أوساط في 8 آذار استغرابها سلوك ميقاتي منذ اللحظة الأولى للتكليف، وتقول أن على رغم انه لم يكن مرشحها الاصلي، فإن التوقع كان منذ البداية أن يؤلف الحكومة في غضون أيام، لا أن يبدأ التخطيط لاستثمار الهامش الذي يمتلكه للضغط على مَن سمّوه رئيسا مكلفا بدعوتهم إلى مشاركته في وليمة التأليف وكأنهم مدعوون إلى مأدبة أطباقها الرئيسة من صنعه وحده، بعد ان يكون قد تشاور مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وحفظ له ولرئيس جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط حصة ثلاثية داخل الحكومة تكفي لخلق أرضية ممانعة في وجه "حزب الله" وحلفائه.

أولى هذه "الفاولات" التي يسجلها فريق 8 آذار على ميقاتي، انه عقب لقائه الأول مع عون، تعمّد أن ينهي الجلسة من دون أن يطلب إليه التقدّم بما يريد من حقائب، لا بل انه اكتفى بكلمة وداعية، متمنياً عليه ايداعه أسماء الوزراء الذين يريدهم في التشكيلة الوزارية، الامر الذي ولّد استياء لدى عون الذي تجاهل هذا الطلب واكتفى بإلقاء تحية وداع باردة، ليقدم بعدها بساعات على رفع سقف مطالبه إلى الحد الأقصى لتعجيز ميقاتي وإفهامه أنه رئيس مكلف بقوة أكثرية جديدة هي التي تقرر تأليف الحكومة.

وتعكس هذه البداية "غير الموفقة"، بحسب أوساط 8 آذار، مجموعة من الخلافات، اولها أن ميقاتي الذي قبل التكليف على انقاض حكومة الحريري، اعتقد أنه قادر على استثمار الخطوة الجريئة بفرض ايقاعه في التأليف من خلال تحالف موضوعي مع رئيس الجمهورية وجنبلاط، وثانيها أن الرجل لم يتخذ قرارا في طريقة التعامل مع طائفته، أي انه لم يتخذ قرارا بالمواجهة، بل اكتفى بالبقاء في الموقع الرمادي، في انتظار أن يدير أزمة المحكمة وأن يتجاوز معضلة السلاح.

ولعلّ "الفاول الثاني"، بحسب الأوساط نفسها، أن ميقاتي اعتقد أنه إذا طال أمد التكليف، فإن "حزب الله" سيضغط على عون لعدم اطالة الوقت ولاستيلاد الحكومة في أسرع وقت تفاديا للفراغ، لكن هذا الاعتقاد ثبت عدم صحته، لأن الحزب لم يضغط على عون عند تأليف حكومة الحريري، فكيف اذا تعلق الأمر برئيس حكومة كُلّف بواسطة أكثرية جديدة تُشكِّل كتلة عون اكثرية مرموقة داخلها، ما جعل عون يعتبر نفسه الابن المدلل لـ8 آذار الذي سيقطف ثمار التحالف مع "حزب الله" بتحقيق مكاسب في الحكومة تظهره في موقع من عدّل اتفاق الطائف بالممارسة وصحح كل الخسائر المسيحية التي نتجت من هذا الاتفاق.

وتضيف أوساط 8 آذار معدّدة مزيدا من "الفاولات" للرئيس المكلف، أحدها الرهان على دور سوري يخفف من شروط عون ومن عقد التأليف. وتقول ان زيارة جنبلاط الأخيرة لسوريا، والتي حصلت بالتنسيق مع ميقاتي، لم تنجح في الاتيان بالضوء الاخضر المطلوب لتأليف الحكومة وفق ما يريده. ففي الاجتماع مع "أبو وائل" (معاون نائب الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف)، سمع جنبلاط كلاما سوريّا مفاده عدم التدخل في التشكيلة الوزارية، وهو كلام يفهمه المجرّبون في بيروت على انه اشارة إلى عدم الاستعداد الآن للتمنّي على الحليف المسيحي (عون) التخفيف من شروطه. وربما كان لدى القيادة السورية ولا يزال اعتبارات واضحة تفرض عليها تأجيل تأدية الدور الحاسم في تسهيل ولادة حكومة ميقاتي، لكن بالتأكيد، وحسبما تقول أوساط 8 آذار، فإنّ هذه القيادة التي تعتبر ميقاتي حليفا مَرْضيّا عنه، لا تريد أن تدعمه على حساب ازعاجها للحليف المسيحي الأكبر.

وانطلاقا من هذه الصورة المشوشة، وتعثّر عملية التأليف، ماذا يتبقى من خيارات لدى ميقاتي؟

الخيار المتاح، حسبما يجزم اكثر من مراقب، هو ان يستمرّ ميقاتي في اتخاذ مزيد من الوقت للضغط على حلفائه، وهؤلاء كما باتوا يقولون في السر ما يمكن ان يظهر إلى العلن، أن ميقاتي لن يستطيع ان يؤدي دور رجل المرحلة، فلقوى 8 آذار خيارات أخرى وأسماء أخرى تعتبر احصنة معركة لزمن المواجهة، ويمكن ان يبدأ طرح هذه الأسماء، في حال وصل الضغط على ميقاتي الى طريق مسدود. والواضح ان حلفاء ميقاتي بدأوا يضعونه في الخانة المشابهة لتلك التي يوجد رئيس الجمهورية فيها، اي خانة "الوسطي" الذي اختير لمهمة انقاذية بمواصفات لا تصلح لإدارة مواجهة. وهذه الخانة تعني بالنسبة الى هذا الفريق مباشرة، الضغط على ميقاتي بالأسلوب الحصاري نفسه الذي اعتمد في وجه رئيس الجمهورية، وعندها لن يكون متاحا امام الرئيس المكلّف إلا خياران: أولهما تشكيل حكومة 8 آذار التي تحفظ له مكاسب ومواقع قوة متواضعة داخلها. وثانيهما الاعتذار عن اكمال المهمة وافساح الطريق لمَن يعتقد أنه قادر على القيام بها. واللائحة على الأرجح تضمّ اكثر من مرشح طامح لنيل لقب "دولة الرئيس".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل