القرار الاتهامي في قضية الاغتيالات سيتأخر عما كان متوقعاً له. إذاً هو لم يعد سبباً لتأخير تشكيل الحكومة المفترضة.
الثورات والانتفاضات والاحتجاجات ستستمر هنا وهناك، بشكل أو بآخر، وبنتائج متفاوتة بحسب ظروف كل بلد واستعداداته لتغيير كامل أو لاصلاحات عميقة وجوهرية أو حتى لمجرد ترقيعات. إذاً هي ليست سبباً لتأخير الحكومة، ولا فائدة من الانتظار، إلا إذا كانت دمشق تتوقع تغييراً في طهران، أو اذا كانت تنوي إجراء اصلاحات عندها وتفضل أن تشكل حكومة نجيب ميقاتي بعد أن تفرغ من هذا الانشغال الداخلي، علماً بأنها ارسلت اشارات في كل اتجاه مفادها أن سوريا محصنة ضد كل أنواع الاحتجاج، فالشعب راض عن دولته ومتمتع بعدلها والحريات المتاحة له.
إسرائيل تبدي استعداداً لاحياء التفاوض مع سوريا، فحتى افيغدور ليبرمان يرغب في ذلك، بشروطه طبعاً، فهل تكون هذه البارقة من دواعي التريث السوري. ورغم وجود رغبة، إلا أن أحداً في دمشق لا يعتقد أن الظرف الحالي يحمل بوادر تسوية كبرى من هذا النوع. وفي العادة، يحاذر السوريون أي اغراء بطبخ مثل هذا السلام سراً.
الرئيس السوري يريد "مصالحة" العاهل السعودي بعد النكسة المؤسفة التي أصيب بها خط الـ"س – س". صحيح أن الطرفين ينكران وجود خلاف، وربما يؤكدان أن العلاقات الثنائية سائرة وفقاً لما اتفق عليه، إلا أن السلوك السوري خلال المساعي لمعالجة أزمة الاتهامات المتوقعة لعناصر من "حزب الله" لم تكن مريحة للرياض، لا في مرحلة بلورة التفاهمات، ولا في مرحلة البدء بالتنفيذ (سحب الاتهام السياسي لسوريا)، ولا في ما تلاها (مذكرات التوقيف، حملات التهويل، وتعطيل الحكومة)، ولا خصوصاً غداة اخفاق المساعي عندما تبين ان سوريا لم تكن وسيطاً كما هي السعودية وإنما طرف بادر مع حلفائه الى "الانقلاب" المتنكر بالقناع الدستوري.
هذه "المصالحة" تستحق التريث بالنسبة الى دمشق التي تنتظر جهوزية الملك عبد الله بعد انهائه نقاهته وانخراطه فوراً في معالجة أوضاع مستجدة داخل السعودية وفي بعض دول الجوار الخليجي. والمراد من هذه "المصالحة" ترويج الحال التي نشأت في لبنان، بفعل الانقلاب الذي ستقول دمشق أنه حصل بشكل طبيعي وبدينامية داخلية ومن دون تدخلها، ولا حتى تدخل من ايران. والمراد أيضاً تسويق ميقاتي سعودياً والحصول على مباركة وقبول له من الملك. لكن ميقاتي لا يحتاج الى مثل هذا التسويق، فهو ليس غريباً على السعودية، لكنه يعمل سياسياً على مدار آخر. وبالتالي، فهو يعرف، كما الجميع يعرف في واشنطن وباريس، انه رجل سوريا، وليس في ذلك ما يعيبه لولا أن سوريا لم تعد تتمتع بالتفويض العربي أو الدولي لممارسة دورها وألاعيبها السابقة، والأهم أنه لم يعد التفويض اللبناني الداخلي كما في عهد الوصاية.
يؤمل اذاً من هذه "المصالحة" أن تتوصل الى "تفاهم حد أدنى" بين الملك عبد الله والرئيس بشار الأسد على بعض قواعد السلوك للحكومة المقبلة، كأن تحرر من الضغوط وتعطى لها مهمة تسيير الادارات ولا تكون لها أي فاعلية سياسية، ويعني ذلك نسج غطاء عربي لهذه الحكومة، بالاستفادة من فترة الانشغال العربي وحتى الدولي بالانتفاضات الجارية، وعدم الاثقال عليها بقرارات تتعلق بالمحكمة الدولية أو بسلاح المقاومة. وإذا اضطرت لمثل تلك القرارات فإن التفاهم الثنائي يمكن أن يعفيها من أي تداعيات.
نظرياً، يمكن لهذا التفاهم أن يحصل، لسبب بسيط هو أن الجانب السعودي لا يريد أن يظهر كمعرقل لوجود حكومة أو لاعادة الروح الى الدولة. وعلى رغم ان الجانب السوري لا يعتبر ذلك من أولوياته، إلا انه سيشدد عليه لاقناع الجانب السعودي بأنه يسعى معه الى تفاهم إيجابي هدفه مصلحة لبنان وخيره. قد لا تكون هناك صعوبة في الاتفاق على المبدأ، لكن هل سيعني ذلك أن السعودية ستمحض حكومة ميقاتي ضماناتها؟ بالتأكيد لا. فهي، كما الولايات المتحدة وفرنسا، ستحكم على الممارسة وعلى التفاصيل.
الأهم من اي شيء آخر هو أن يحاول الجانب السعودي ان يفهم ما الذي تريده سوريا في لبنان، ولماذا هذا الاصرار على فرض نفسها على اللبنانيين على هذا النحو، ألا ترى الشعوب العربية كيف تسعى الى الخلاص من انظمتها السقيمة فما الذي يدفعها ويدعوها الى التسلط على شعب آخر واختراق نسيجه السياسي وبث الفرقة بين ابنائه، ما الهدف؟ ثم ما الحكمة من تعزيز تسلطها بتسلط ايراني، وبأي مبررات يُسوّغ هذان التسلطان عبثهما بالساحة اللبنانية. إذا استطاع الجانب السعودي أن يفهم ويقتنع، فليمنح عندئذ ما شاء من الضمانات لتمرير الفصل التالي من الانقلاب. لكن الجميع يذكر أن سوريا حصلت على ما تريده من اتفاق الطائف، بفضل التفهم السعودي، وبالتالي الاميركي، لكنها أخرجت قواتها من لبنان قبل ستة اعوام، اي أن مفاعيل هذين التفهمين انتهت، وكان يفترض أن يشكل الخروج العسكري بداية لعلاقات طبيعية يريدها اللبنانيون أفضل علاقات جوار وتكامل. لكن الحاصل هو غير ذلك، ولا يكفي التذرع بأن سوريا "عائدة" لأن هناك اطرافاً يدعونها الى التدخل، كما تشاء، في ما يفترض إنه وطنهم.
سوريا تسعى الى تلك "المصالحة" من أجل إنجاح انقلابها في لبنان. لا يزعجها كثيراً ان يبقى البلد مشلولاً بلا حكومة، فهي وحلفاؤها سبق أن افتعلوا مثل هذا الجمود كلما عجزوا عن تحقيق مآربهم بالضغط والترهيب، لكن دمشق لم تقم بهذا الانقلاب من أجل حلفائها، وانما خصوصاً لفرض أمر واقع بحكم اللجوء اليها لادارة الوضع اللبناني، ومن الواضح انها لم تشهد تزاحماً عربياً ولا دولياً لتفويض هذه المهمة اليها.