قد يضطر اللبنانيون إلى زيادة اسم جديد على لائحة «الأخت» نبيلة عبيد السينمائية، فقد تفوّق عليها وعلى إحسان عبد القدوس في «الراقصة والطبّال» و»الراقصة والسياسي»، بل ضاهى نادية الجندي في دور «العاهرة» في فيلمها «خمسة باب»، ما هذه السفاهة التي سمعها اللبنانيون بالأمس، حتى المجنون معمّر القذّافي لم يتفوّه بما تفوّه بها جنرال السفاهة والعاهرة والسوق!!
منذ «دحش» هذا الرجل نفسه في «مناخير» الحياة السياسية بلغ مستوى الخطاب واللغة السياسية مستوىً غير مسبوق من الانحطاط، لم يحدث في تاريخ أي سياسي لبناني أن صدر على لسانه ـ حتى المعروفون ببذاءة لسانهم وكيلهم السُباب ـ أن أطلّ واحد منهم على هذه الصورة السياسية المنحطّة ليحدّثهم عن العاهرة في السوق العمومي!!
حقيقة على فريق 14 آذار أن يرفع الصلوات أن الله عافاهم من هذا الحليف السفيه الذي ابتلى به حزب الله، ليصدق فيه قول الشاعر :
وللشيء من الشيء /مقاييس وأشباه
وللمرء من المرءِ /إذا ما المرء ماشاه
ويصدق في فريق 14 آذار قول الشاعر:
لم يكُ من شكلي ففارقته /والناسُ أشكال وآلافُ
لأول مرّة فكّرت بالأمس في أحفاد ميشال عون وما قد يقوله لهم رفاقهم في مدارسهم: «ليك… جدّك امبارح حكي عن «العاهرة» شو يعني هالكلمة؟ أو عن أيّ «سوق» كان جدّك عم يحكي امبارح»؟ أو «جدّك بيخوّف الولاد الزغار بيضل عم بيعيّط»؟!
اضطرنا «الخنا» الذي حاولنا تطهير أسماعنا منه بالأمس أن نتحرّى معنى السفاهة: «السَّفَه هو نقيض الحلم، وهو سرعة الغضب والطيش من الأمور اليسيرة، والمسارعة للبطش في العقوبة، والسبّ الفاحش، وأساس كلّ هذا خفّة العقل ونقصانه… والسّفيه إنسان رديء الفهم، خدعه شيطانه فجعله أسير الطغيان… والسفاهة: قلّة التدبير وفساد الرأي والعمل بخلاف مقتضى العقل»…
وقد أوصانا الله في قرآنه بقوله عزّ وجل: «وأعرض عن الجاهلين»، ومن حكمة الشعر تشديده على الأمر الإلهي:
أعرِضْ عن الجاهل السفيه /فكلُّ ما قاله فهو فيه
فلا يضرّ نهر الفرات يوماً /إذا خاض بعض الكلابِ فيه
ولعلّ أفضل ما قرأناه من الشعر في السّفاهة والسفيه هو أبيات الإمام الشافعي رضي الله عنه:
«والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ/ وفيه أيضاً لصون العرض إصـلاح/
أما ترى الأُسْدَ تُخشى وهي صامته/ والكلب يخسا لعمري وهـو نبَّاحُ»
أي فجور أوصل الخطاب السياسي إلى هذا الدّرك، فالمعتوه لا يولّى أمر الناس والعامّة، ولا المجنون، بل مكان هؤلاء المصحّات ودور المجانين، أمّا السفهاء، فمجانبتهم واجبة إذا كانوا من الناس العامّة، ولكن كيف تجنبّهم وهم يقتحمون بيوت الناس عنوة ليسمعوهم بذاءة القول وفاحش الكلام»!! لم على المواطن العادي تقديم شهادة «حسن سلوك» ولا يبطل سوء خلق النائب وفحشه وفجوره نيابته؟!
ومن جميل وبليغ ما قال الإمام الشافعي:
إذا نطق السفيه فلا تجبه.… فخير من إجابته السكوتُ
فإن كلّمته فرَّجتَ عنـه.… وإن خليته كمداً يمـوتُ
عندما يقول لنا النائب ميشال عون: «عيب ان يتم الحديث عن هذا السلاح بهذه الطريقة»، فهل هناك عيب أكثر ممّا نطق به عون؟! وهل هناك «أعهر» ممّا خاطب به اللبنانيين قائلاً: «لسنا مستعجلين واوعا حدا يفكر انه اذا غرقت السفينة سيغرق خصمه فقط فنحن محصنون اكثر منهم»؟!
ولا يليق بما سمعناه بالأمس إلا واحدة من أجمل قصائد الشعر العربي المعاصر للشاعر محمود السيد الدغيم وعنوانها «السُّفهاء»:
طَاْغٍ طَغَىْ، فَتَجَمَّـعَ السُّفَهَـاْءُ / وَتَفَـرَّقَ الطُّـلاْبُ، وَالْعُلَمَـاْءُ
وَتَشَكَّلَـتْ لِلْخَاْئِنِـيْـنَ وِزَاْرَةٌ/ مَوْزُوْرَةٌ، مَرْذُوْلَةٌ،خَرْقَـاْءُ
تَنْهَىْ وَتَأْمُرُ حَسْبَمَاْ يَحْلُـوْ لَهَـاْ / فَيُصَفِّـقُ الأَرْذَاْلُ، وَالدَّهْـمَـاْءُ
واسْتَأْسَدَتْ كُلُّ الثَّعَاْلِبِ فَجْـأَةً/ وَاسْتَرْزَقَ النُّـوَّاْبُ وَالْـوُزَرَاْءُ
وَلِكُلِّ مَنْ سَفَكَ الدِّمَاْءَ: جِرَاْيَـةٌ /تَجْرِيْ، فَتُسْفَكُ فِي الْبِلاْدِ دِمَـاْءُ
فَلِكُلِّ مَأْبُوْنٍ عَمِيْـلٍ سُلْطَـةٌ/ مَوْبُـوْءَةٌ مَنْـبُـوْذَةٌ نَـكْـرَاْءُ
مَقْرُوْنَـةٌ مَجْنُوْنَـةٌ مَخْـذُوْلَـةٌ / مَلْعُوْنَـةٌ مَسْمُوْمَـةٌ رَقْـطَـاْءُ
تَنْهَىْ وَتَأْمُرُ بِالضَّـلاْلِ سَفَاْهَـةً / جَهْراً، فَيُرْفَـعُ لِلضَّلِيْـلِ لِـوَاْءُ
وَتُجَرَّدُ الأَوْطَـاْنُ مِـنْ آبَاْئِهَـاْ / وَجُدُوْدِهَـاْ، وَيُضَيَّـعُ الأَبْنَـاْءُ
فَتَصِيْرُ إِقْطَاْعـاً لِقَاْطِـعِ دَرْبِنَـاْ / وَيُسَلَّـطُ السُّفَهَـاْءُ الْخُبَـثَـاْءُ
بالأمس بعدما تقيّأ ميشال عون في وجوه اللبنانيين وعلى مسامعهم، عاد وأخبرهم: «أنا اتقيأ حين أشاهد الأخبار»، حقيقة بعض الناس لا يستر عوراتهم إلا الموت، وعن هذا الزمن الرديء العفن، حدّثنا رسول الله في الأثر الشريف فقال صلوات الله عليه: «ستأتي على الناس سنونٌ خدّاعة، يُصدّقُ فيها الكاذب، ويُكَذّبُ فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ قال: السّفيه يتكلّم في أمر العامّة» [رواه ابن ماجة، وأحمد واللفظ له،إسناده صحيح] .