#dfp #adsense

رسالة الى المطارنة الموارنة

حجم الخط

قلَما حدَثنا التاريخ عن رجل وصل الى القمَة فاستغنى عنها. لكنَ التاريخ يعج بأخبار الذين تربَعوا الى الأبد على عروش الشعوب، ولم تأت نهاية تشبَثهم إلاَ بالموت أو بالثورة. من هنا ينبغي أن ننشئ تقييما للسيد صاحب الغبطة يوفَيه حقَه. فعندما تسلَم البطريرك صفير سدَة المسؤولية على كرسي أنطاكية، وصلت القمة به الى القمة. ليس لأنَه أصبح بطريركا بالأنتخاب، بل لأنَ الكرسي نالت معه حقَهاوزادت عظمة. وكان هو أمينا على ثوابتها، فلم يهادن ولم يتراجع ولم يقبل بالتدجين.

خلال تولَيه المسؤولية، كانت له محطَات مشرقة تركت أثرها في تاريخ لبنان ومسيرة المسيحيين فيه وفي الشرق. ليس أقلَها البيان المفصلي في العام 2000، الذي زرع بذور ثورة الرفض للوجود السوري في لبنان، يوم كان الجميع يتفرَج، بالاضافة الى قراره الجريء بعدم الرغبة في مشاركة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني المثلَث الرحمات، الحج على طريق بولس التي تمرَ في دمشق، لا لأنَ بولس لا يستأهل أن نمشي على خطاه، بل لأنَ المطالب التي دفع بها اللبنانيون الأحرار الى النظام السوري لم تلق آذانا صاغية ولم يتمَ التجاوب معها، وفي مقدَمها الأفراج عن المعتقلين ظلما في السجون السورية. فمنهم من اعتبر هذا الموقف نوعا من الهرطقة والخروج على الطاعة التراتبية، لكنَنا وجدنا فيه مأثرة عظيمة يجب تحويلها الى ملصق أبدي فوق جبين الوطن. وبهذا يكون البطريرك بطلا يتيما في مفصل أساسي من تاريخ لبنان.

إنَ الوضع المسيحي الراهن في لبنان والمنطقة، هو وضع مفرط الحساسية، لا بل هو وضع شديد الدقة إن لم نقل الخطورة. فما يجري من حولنا مع المسيحيين المنتشرين لا يقبل التشكيك أو التأويل. إنَ نظرة سريعة الى حال الأقباط في مصر والسريان والأشوريين في العراق وبقايا المسيحيين في أيران، من شأنها أن تحدث "نقزة" نوعية تجعلنا نعيش ترقبا مستمرا لما سوف يلي. من هنا، يمكن تلخيص الواقع باندثار في المستوى الديموغرافي بعد تبخَر المستوى السلطوي، ناهيك عن الأسلوب الهمجي الذي يتمَ اعتماده في عملية الترهيب والقتل.

فالمشاهد الذي يتابع هذه الحلقات الجهنمية المتبدَية في طقوسية عنفية غير مسبوقة، لا يسعه سوى الأذعان والقبول والدخول في أفواج الذين يمارس عليهم نظام "الرق" الجديد، أو شدَ الحقائب، مع تحرير وصيَة تعلن عن عدم الرغبة في أعادة جثَته لدفنها في تراب الوطن.

أما في لبنان، فما هو متوقَع لا ينطبق أبدا على القناعات المسيحية الوطنية والتاريخية. فالمسيحية والحرية توأم غير منفصل، والمسيحية والأنفتاح أخوا طريق، والمسيحية والولاء للوطن شريكا مسيرة طويلة. فأين الحرية عماد الديمقراطية في الممارسات القمعية التي جرت في زمن الوصاية، والتي تبشَرنا التصريحات والممارسات بعودتها، ان نحن التزمنا خطَ سير جبران تويني وسمير قصير؟ وأين الأنفتاح في قرار مقاطعة المجتمع الدولي على خلفية أن المحكمة الخاصة بلبنان مسيَسة وأسرائيلية وهدفها النيل من فئة معيَنة ظلما، حتى قبل صدور قرار المحكمة بالذات؟ وأين الولاء للبنان في ظلَ الولاءات المشبوهة والدخيلة، والتي ترفع ألوية لا تشبه العلم اللبناني، وتمسك بالمسار تحت شعارات زائفة، وتطرح ايديولوجية مستوردة لا شأن للحيثية اللبنانية بها، فيغدو الولاء للبنان لاجئا في لبنانه؟

من هنا، نواجه كمسيحيين اليوم أشكالية معقَدة، يمكن أن نواجهها بوسيلة أو بأخرى. فامَا أن نقتنع باستحالة المواجهة، ونضع رأسنا بين الرؤوس كما يقول المثل الشعبي، فيسري علينا ما يسري على المسيحيين أقليميا، ان لم يكن في الأمد القريب ففي المستقبل المتوسَط المدى، من تهميش وتقليص للنفوذ والمشاركة وأجبارنا على القبول بتمرير النظام الآحادي التيوقراطي والخضوع لسلطانه. واما نتابع نهج السيَد البطريرك برفع الصوت قائلين: لا.

على هذا، نتوجَه الى آبائنا أساقفة الكنيسة المارونية، وهم على مشارف انتخاب بطريرك جديد للموارنة في لبنان والعالم، بأن تكون الأرجحية في اهتمامهم لقضية الكرامة المسيحية، التي تتجلَى بالأحجام عن انتخاب بطريرك رمادي أو تسووي يرفع شعار "ان لم يكن ما تريد فأرد ما يكون". فالمسيحيون لا يريدون " قتل" البطريرك صفير بالأنقلاب على أنجازاته وهو يستحق أن يكون سلفه حاملا لمشعله ومتابعا نهجه الذي أوحى به الروح القدس. فكيف نحيد أذا عن نعمة الروح الحي؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل