"عصيّهم من خشب وقلوبهم من ذهب"، إنهم بطاركة إنطاكية وسائر المشرق الستة والسبعون، الموارنة، الخلقيدونيو* الإيمان الذين كتبوا على صخور لبنان ملحمة المسيحية المشرقيّة المجيدة الضاربة في قدم التاريخ.
إنطاكية المدينة العظيمة التي اهتدت إلى الرب يسوع على أيدي تلامذته وتعمقت بإيمانها المسيحي على أيدي الرسولين برنابا وبولس والتي رأت بطرس رئيس الكنيسة يرأس كنيستها قبل أن ينتقل إلى روما، ازدهر إيمانها المسيحي واتسع، فأصبحت واحدة من البطريركيات الخمس الكبرى وهي روما، القسطنطينية، الإسكندرية، إنطاكية وأورشليم. هذه الحاضرة المسيحية العريقة عرفت الانشقاقات، وبعد أن أغلق الشرق على بيزنطية بفعل المد الإسلاميّ كان من حسن طالعها أن تتولى قيادتها الكنيسة المارونية نسبة إلى القديس مارون الراهب الزاهد الذي ابتعد عن المجادلات اللاهوتية ليعيش على جبل قورش وقد أعجب منهجه في الحياة وإيمانه الصافي الكثير من أبناء منطقته، فانحدر إليهم وعاش بينهم ناشرا تعاليم المسيح حتى انتقاله إلى جوار ربّه سنة 410 م.
بداية المارونية الإيمانية عانت الاضطهاد في سوريا الثانية على أيدي إخوة لها قالوا بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح، وكان حصيلتها استشهاد ثلاثماية وخمسون راهبا في دير ما مارون في افاميا، مما جعل قادتها وأحبارها ورعاياها يدركون بعد هذه النكبة أنهم بحاجة إلى فسحة جغرافية تجعلهم يتنشقون هواء الحرية، وهل أعذب وأصفى من هواء الجبل اللبناني؟
كانوا يهتفون في القورشية وإنطاكية وضفاف العاصي وافاميا وسهول حمص الخصيبة باسم الأيمان، لكن يوم وطئت أقدامهم الأرض الوعرة العصيّة واتحدوا وتآخوا مع شعبها بات شعارهم الإيمان ولبنان.
تمسكهم بلاهوت الروح ولاهوت الأرض لم يكن بالأمر السهل فقد تطلب منهم عنادا وثباتا ومقاومة وبسالة حتى الشهادة.
أول من تسلّم عصا الرعاية الإنطاكية المارونية هو البطريرك يوحنا مارون سنة 687 م. الأمر الذي أغضب بيزنطيا وفي أثناء غزوة شنّتها على المنطقة، حصل اصطدام بين الموارنة والجيش البيزنطي في أميون، كانت الغلبة فيه للموارنة. وسكن البطريرك بلدة كفرحي، جاعلاً كرسيه الأسقفي فيها كرسيّاً بطريركيّاً.
لقد استقرت البطريركية في بلاد البترون 251 عاما حاولت بعدها العودة إلى إنطاكية املا في لم الشتات لكن الأخطار والشدائد أرجعتها إلى جبال لبنان الحصينة حيث استوطنت بلاد جبيل و جوارها.
دام الكرسي البطريركي خمسماية وسنتان 938- 1440 في تلك البقاع الجميلة وتعاقب عليه أربعة وثلاثون بطريركا متنقلين حسب الظروف بين يانوح وميفوق ولحفد وهابيل وكفيفان وكفرحيّ والكفر وحردين.
ثم إنتقل إلى قنوبين، الوادي المقدس الفواح بعطر الأرز، حيث توالى على الكرسي البطريركي أربعة وعشرون بطريركا في مدّة زمنية تعدّت الثلاثة قرون 1440-1823. بعدها أصبحت بكركي مقر البطريرك شتاءً والديمان مقرٌه صيفا.
البطاركة الموارنة قادوا شعبهم في أصعب الظروف وأحلكها يوم تشكل السد النحاسي الممتد من جبل اللكام وقورش شمالا حتى بيت المقدس جنوبا لمواجهة الفتوحات مدعما بالمردة المقاتلين العتاة القادمين من آسيا الصغرى ولم يستكينوا أو يضعفوا يوم اضطهد المماليك شعبهم وهاجموه في عقر داره وبنفس العزم والحزم عاشوا في دير السيّدة العذراء في قنوبين أيام العثمانيين من دون أن يغب عن بالهم يوما أنهم مؤتمنون على حضارة عريقة هي الحضارة الآرامية – السريانية. كانوا دوما وابدآ طلاب حوار ورسل محبة وحماة للحرية ومنارات إيمان وملجأ للمضطهدين ورجال الوطنيّة في الأحداث الكبرى حتى استحقوا أن يقال فيهم: " مجد لبنان أعطي لهم!".
وإذا كنا اليوم على أعتاب انتخابات بطريركية جديدة لا بد لنا أن نتمنى دوام الصحة وطول العمر لغبطة أبينا مار نصرا لله بطرس صفير بطريركنا التاريخيّ الذي قاد سفينة الوطن طيلة ربع قرن ونجانا شر الغرق في أزمنة الوصاية المريرة طالبين من الله أن يلهم مطارنتنا الأجلّاء الذاهبين إلى المجمع الإنتخابي فيصعَدوا الدخان الأبيض في القريب العاجل.
غداً إن شاء الله سيهب أبناء الوطن متوجهين إلى ساحة بكركي لتهنئة سيدها الجديد مستبدلين الرموز التي يرسمونها في أيديهم عادة تعبيرا عن إنتمائاتهم الحزبية بإشارات النصر التي تشير إلى بطريركهم السابع والسبعين! لأنّ الانتخاب البطريركي في الكنيسة المارونية هو اعرق ديمقراطيات الشرق وهو انتصار للديمقراطية في تلك الكنسية العريقة منذ مئات السنين…
* نسبة إلى خلقيدونيا حيث انعقد المجمع المسكوني الرابع سنة 451 م. ليؤكد العقيدة الصحيحة حول شخص يسوع المسيح. يسوع هو اله وإنسان وله طبيعتان إلهية وإنسانية… فأيّده الموارنة ودافعوا عن مقرّراته.
المراجع:
-موقع UCIPLIBAN
– مختصر تاريخ الكنيسة المارونية للأب يوسف محفوظ
– الفكر الماروني في التاريخ للأب يوحنا سليم سعادة .
