#adsense

14 آذار لحظة “أعجوبية” ثقافية مدنية

حجم الخط

 
14 آذار كما هو معروف ليست حزباً ولا تنظيماً ولا تشكيلاً ولا نظاماً. وليست من ارثٍ مُحددّ زمنياً وسياسياً. فقد تكون كل ذلك ولا تكون. فهي أكثر من تجمع، وأوضح من تيار. انها بنت لحظة تاريخية، لكنها أيضاً امتداد، ولقاء. مع محطات "أساسية" ونظن أن الجامع هو ما يميز، والتميز هو ما يجمع. وإذا كان من أواصر تشد مكوناتها المختلفة، فهي التقاء على منظومة قيم أي منظومة قيم ثقافية، وحضارية، مفتوحة وغير مقننة، بحيث يمكن القول إنه إذا لم تكن مكونات 14 آذار متشابهة، فإن فضاء ثقافياً يجمع بين ألوانها، وأفكارها، وتشاكيلها الطائفية والمدنية واليمينية واليسارية والمستقلة، تحت عنوان عريض هو استعادة المجتمع المدني من أيدي غير المدنيين. فهي ثقافة المجتمع المدني، بأدواته التعبيرية والنقابية والاجتماعية والانسانية. وعندما نقول المجتمع المدني، فلكي نُعيّن دوره ووسائله في مقاومة كل من يعطله، أو يجوفه، او يصادره. وعندما ننطلق من المجتمع فلكي يكون فاتحة ثقافية لمنظومة القيم الإنسانية، تبدأ بالحداثة في مواجهة الظلامية. وبالديموقراطية في مواجهة الدكتاتورية، والتعددية في مواجهة الأحادية، والحرية في مواجهة الاستبداد والعروبة الحضارية في مواجهة الشعوبيات والعدالة في مواجهة الظلم والكرامة في مواجهة الإذلال وحرية التعبير في مواجهة القمع والصوت الواحد، والسلمية في مواجهة القوة الغاشمة والدولة في مواجهة الدويلات، ومقاومة العدو بسلاح شرعي مضبوط لا يكون أداة لترسيخ ثقافة الموت، واخضاع الناس، وتغيير المعادلات، وفرض الشروط والسطو على الدولة، وتغيير الأنظمة والارتهان بالخارج، والسيادة في مواجهة الوصايات والاستقلال في مواجهة الهيمنة.

وإذا كان اغتيال الشهيد رفيق الحريري فجّر هذه الثورة بمكوناتها، وقيمها واحلامها، فهذا يعني أن التراكمات والاعتمالات التي أحدثتها الوصايات المتعاقبة التي توجتها الوصايتان السورية والإيرانية والمدى الذي قطعتها في ضرب مجموع القيم الاجتماعية التي تميز بها لبنان دون سواه من الأنظمة الاستبدادية حوله. فـ 14 آذار التي ظن كثيرون انها بلا مستقبل عندما تفجرت وعندما صرح السيد حسن نصرالله أن "لبنان ليس اوكرانيا" فقد خيبت آمال هؤلاء. جاءت اللحظة المنتظرة، التي غذتها عقود من الاحتلال والوصايات والقهر والاذلال والهيمنة والقتل والسجن والنفي والسيطرة على إرادة الناس… نعم! هذه اللحظة "الأعجوبية" هي نتيجة كل هذا الاحتقان التاريخي الذي تسببت به مكونات النظام الأمني المتمثلة حالياً بحزب الله وبـ 8 آذار. وهنا بالذات، وضمن الفضاء الثقافي المتعدد، وضمن الجبهة العريضة المتنوعة، كان لكل مثقف أو صحافي أو كاتب، أو جامعي، أو نقابي، أو سياسي، أو فكري، أو حتى فلسفي، وكلّ من موقعه، أحداث التفاعل الذي كوّن ما أسميناه منظومة القيم. وعلينا الاشارة إلى ان مواجهة النظام الأمني المشترك، مهّد لها كتاب، وصحافيون، ومثقفون، عندما كانت معارضة هذا النظام المشؤوم مجازفة تؤدي إلى السجن أو الخطف أو التهديد أو القتل. يعني أيام جميل السيد وأميل لحود وعدنان عضوم وغازي كنعان ورستم غزالي… وكلنا يعرف ان منابر إعلامية عديدة راسخة غطت كل ممارسات هؤلاء، وتواطأت معهم، في الوقت الذي كانت ترتفع بشجاعة وجرأة أصواتٌ ثقافية تقاوم ظواهر الاستبداد، كوضاح شرارة والشهيد سمير قصير وزياد ماجد وبلال خبيز وريمون جبارة والكبير الرائد غسان تويني والشهيد جبران تويني وعقل العويط وفيصل سلمان وعلي نون ومنى فياض وسعود المولى وعلي حرب وعبد الوهاب بدرخان وفارس خشان ويوسف بزي ويحيى جابر. وصولاً إلى الشبان الذين انخرطوا في معركة العدالة والديموقراطية بعد 14 آذار كعمر حرقوص وعلي مطر ورامي الأمين وكل هؤلاء وسواهم كانوا موضوعين على "اللوائح" السوداء في أدراج النظام الأمني المشترك. ان هؤلاء هم الذين مهدوا لهذه الثورة، قبل قيامها. وهم الذين واكبوها في مراحلها التالية، وجلهم كان مستقلاً ويواجه مخاطر مواقفه، وحده، بلا أحزاب تحميه، وبلا دولة تحفظ حقوقه، ولا قضاء ينصفه: وكان جلهم اعزل إلاّ من قلمه في مواجهة قمع الوصايتين وأدواتها البوليسية والرقابية والعسكرية والمخابراتية وعندما اندلعت الثورة وسقط النظام المشؤوم، (وستُسقط فصوله "العائدة" وآليته العسكرية المباشرة) انتقل العنف من مكان إلى مكان. والقتل إلى قتل آخر، وتعرض بعض هؤلاء للتخوين، والتهديد من قبل 8 آذار وذراعها "العسكرية" حزب الله، فكانت باكورة جرائم هؤلاء الشهيد سمير قصير وجبران تويني (كصوتين صارخين في وجوه الوصايتين الكالحة) وكان على الآخرين من الأحرار وسط التهديد والترويع والغزوات ان يضع كل منهم حياته على كفه: فالخصوم مجرمون وتاريخهم حافل بالإجرام والتصفيات والخطف والنسف والذبح. وأظن ان المثقفين سواء منهم من انتمى مباشرة إلى 14 آذار أو من تواصل بها مستقلاً كانوا ينتقلون بحذر من مكان إلى مكان، وكانوا ينتظرون في أي لحظة رصاصة غادرة تغتالهم، أو متفجرة تفجرهم، بما يواكب كل ذلك من منابر 8 آذار (وخصوصاً "المنار) بالتحريض على اهدار دمهم، بحملات تتهمهم بالعمالة لإسرائيل ولأميركا. ونظن أن"مثقفي" 8 آذار واعلامييها المعروفين لم يتورعوا عن التحريض على تصفية زملاء لهم، أو بتبرير اغتيالات زملاء آخرين، تبريرهم لعمليات التصفية التي نفذت في رموز 14 آذار (يا عيب الشوم)، لجورج حاوي (المقاوم الأول في لبنان) وبيار الجميل، ووليد عيدو وانطوان غانم.. ووسام عيد.

بل أكثر: لعبت الصحافة "المضادة" ويا للأسف دوراً تضليلياً (وما تزال) في مسألة اغتيال الرئيس الحريري، وسائر الشهداء ولعبت دوراً بائساً في تغطية غزو بيروت والجبل واحراق تلفزيون وجريدة "المستقبل" بل اكثر ظهرت كأبواق ببغائية للوصايتين وساهمت في الحملة التخوينية للصحافيين والمثقفين.

وكان على المثقفين الذين يلتقون تطلعات 14 آذار ان يتصدوا من جهة لنيران القتلة وقمعهم وترويعهم ومن جهة أخرى لتواطؤ زملاء لهم في بعض منابر 8 آذار. وهذا أفدح ما كان يواجهه الكتاب المؤيدون لـ 14 آذار من مقاومة ما كان يخطط له فصول النظام الأمني من محاولات انقلابية مستمرة، لتدمير انجازات ثورة الأرز وارجاع عقارب الساعة إلى ما قبل 14 شباط، وإلى السطو على مقدرات السلطة بالقوة بسلاح ما كان يسمى المقاومة والتي صارت مع حزب الله مشروع سيطرة نهائية على البلاد وربطها بولاية الفقيه وبمرجعيات أخرى.

فالمثقفون، سواء كانوا في عداد 14 آذار أو مؤسساتها وتنظيماتها او مستقلين، كأنما كانوا من ناحية الجسر الممتد بين مرحلتين ومن ناحية أخرى، ومع مشاركة الجماهير، الأفق الحي، المادي، والمعنوي، المتفاعل مع الشباب والشيب والنساء عبر الاعتصامات والتظاهرات. بمعنى آخر لم يعد الصحافي مجرد "موظف" أو "مهني" أو (مرتزق) بقدر ما قدم نفسه كصاحب رسالة، وفي طليعة الشهود والشهداء والمحتجين على الرغم من كل الضغوط واساليب الارهاب المعروفة. ونظن ان هذه المهمة التي تتقاطع فيها الثقافة كعمق لمنظومة القيم والصحافة كتعبير حي، وتجسيد للديموقراطية المباشرة اكسبها طاقة وصموداً وتعلقاً بالمطالب ونشداناً للتغيير. وكأن عبارة الصديق الكبير الراحل سعدالله ونوس "نحن محكومون بالأمل" تأتي كعنوان لهؤلاء الذين جعلوا من مهنة الصحافة والثقافة رسالة الى المستقبل.

صحيح ان العديد من الصحافيين والمثقفين والكتاب والفنانين قد تململوا أحياناً من طبيعة مسار 14 آذار وانتقدوا ذلك من خلال شعورهم بأنه تم التنازل عن أمور أضعفت هؤلاء لا سيما وان هؤلاء المثقفين كانوا على ثقة بأن جماعة 8 آذار كانت تفعل كل شيء لضرب انجازات ثورة الأرز، واحداث وانقلابات تدريجية للامساك بالبلد كلياً. انه نقد ذاتي مشروع ومطلوب، مع الأخذ بالاعتبار الظروف القاهرة والصعبة التي كانت تحيط بتلك المراحل لا سيما في المرحلة الأخيرة عندما كان لحزب الله وبالتهويل والترهيب "وعراضة القمصان السود" وانتقاله "رسمياً" إلى الوصايتين.

لكن نظن ان 14 آذار بخلفياتها الثقافية والحضارية (كمنظومة قيم ديموقراطية تنبع من أدوات المجتمع المدني، والسيادة والعدالة والحرية…) وعبر المثقفين والاعلاميين تمكنت وإلى حد كبير من تعميم خطاب جماهيري منسجم على الرغم من تعددية ناسها، بحيث صارت ثقافة الحياة (والديموقراطية ثقافة الحياة بامتياز وكذلك العدالة وكذلك نزع السلاح غير الشرعي..) ثقافة معممة في مواجهة ثقافة الموت التي تنشرها جماعة 8 آذار وخصوصاً حزب الله. ولذا فان جمهور 14 آذار على اختلاف شرائحه الحزبية والطائفية والمناطقية والسياسية، على تماه مباشر بهذه الثقافة! وهذا ما بدا واضحاً في سلمية المظاهرات وفي رقي المقاربات ونصاعة السلوك وجمالية التصرف. انها التربية الشفافّة المضادة لثقافات الحروب والميليشيات والقمصان السود والاستباحة والعنف والتخريب. بمعنى آخر كأنها ثقافة المدنية الحديثة التي تتواءم مع حداثة الحياة ووسائلها ووسائطها الاعلامية.

فكأن بيروت، بعد 14 آذار عادت المدينة والعاصمة، عادت بيروت الثقافة والتنوع والابداع والجمال إلى بيروت، بعدما حولتها الوصايات المتعاقبة إلى جزر من العنف، والانقسام والفساد والهيمنة والجهالة.
بيروت اليوم، تستعيد وبقدر لبنانيتها المتأصلة غير المتعصبة عروبتها. بيروت تستعيد ثقافتها العروبية الحداثية الحضارية النقيض للعروبة "الفاشية والاستبدادية والاحادية والقمعية. كل لبنان صار في كل بيروت.

وهذا هو المعنى الثقافي العميق الذي بدأ يتأصل من خلال لقاء الأمكنة والشعب والابداع.
نكتب اليوم، وها نحن عشية ذكرى قيام 14 آذار وسط صعوبات وضغوط وترهيب وفصول انقلابات قائمة ومقبلة، وها نحن على موعد لبناني من كل الشرائح والمثقفين والمناطق في بيروت، المقاومة، المناضلة، والمُعبّرة عن مرحلة ثقافية جديدة تحررت فيها الأمكنة والشوارع من قبضة بلطجية الوصايات التي حرّموا النزول إليها وقمعوا كل تحرك فيها، وجعلوها على شاكلتهم بؤراً للخوف والحذر والممنوع..
الثقافة اليوم (كمجموعة قيم) تنتصر بساحة الحرية وتنتصر بها. ونننتظر ان تملأ ساحاتها وطرقاتها التظاهرة المليونية الموعودة.. بناسها وجموعها وكتابها وصحافييها وشعرائها.. لتكون بيروت فعلاًَ عروس الثقافة العربية "الممانعة" للفاشيات والانقلابيين والمرتهنين بالوصايات وحملة الموت اليومي!
بيروت في 14 آذار ستكون أكبر مثقف لبناني عربي عالمي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل