التحديات السياسية والاستقلالية التي واجهها لبنان طيلة 30 عاما قبل انبلاج فجر ثورة الارز في العام 2005 حتّمت في مكان على اللبنانيين الانتفاض على الاحتلال وكسر الظلم بسلاح العزيمة والاصرار على الخروج من الوصاية الى الحرية والسيادة وليس بقوة سلاح يرهب ويقتل أو يستغل للتهديد والتوظيف السياسي في أضعف الايمان. إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإن كان الشرارة التي أوقدت الثورة اللبنانية، التي استنسخ نموذجها من ساحة الحرية وسط بيروت الى تونس وميدان التحريري في القاهرة والى المدن الليبية وغيرها، هذا الاغتيال لم يكن يهدف فقط الى التخلص من رفيق الحريري السياسي ابل توخى ايضا ضرب نموذج رفيق الحريري صاحب المدرسة الاقتصادية التي رسمت دورا ماليا واقتصاديا للبنان اقليميا على الاقل.
ثمة شبه كبير بين شباط وآذار 2005 وشباط وآذار 2011 لما تمثله الحقبة الحالية من عودة الى الجذور عبّر عنها الرئيس سعد الحريري مع حلفائه "المخلصين" في البيال، حيث وضع أسسها، لتنطلق جماهير "14 آذار" مرة جديدة الى الساحة فتدخل القواعد حيّز التنفيذ.
منذ ان بدأت القوى الانقلابية عملها للاطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري، وبعد استكمال الانقلاب والاتيان برئيس حكومة صوري لم يخل تقرير صادر عن مؤسسة مالية دولية من تحذير مفاده ان التوتير السياسي يعيق النمو الاقتصادي ويؤثر سلبا في عملية تطبيق الاصلاحات الجوهرية التي يحتاجها القطاع العام. لكن كل هذا لم يكن كافيا لهذه القوى لتتعظ وتأخذ إشارة معناها ان المؤسسات الدولية لن تكون جاهزة للتعامل مع حكومة تكون دمية في يد الحزب الحاكم.
مهم جدا ان تدرك الجماهير عمق الصراع بين وجهين للبنان. الأول أراده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعمل على استكمال تحقيقه الرئيس سعد الحريري، ومن ضمنه بناء لبنان صرحا ماليا، اقتصاديا، خدماتيا تعليميا، ثقافيا، استشفائيا وسياحيا وعلى غير مستوى. اما الوجه الثاني فهو ما يريده "الحزب الحاكم" (حزب الله) وملحقاته، وجها مظلما لا حريات فيه تسوده هيمنة السلاح وتُفتح الجبهات القتالية بسبب "صفة سيارة" كما كان الحال في برج ابي حيدر. بلد لا كهرباء فيه رغم انفاق الحكومة مليار دولار ووضعها بتصرف وزير الطاقة. بلد تتحكم فيه مزاجية وزير الطاقة بالبنزين فتشل الحركة اليومية وتصيب قطاع النقل في مقتل.
بلد يتطاول فيه وزير الاتصالات على رئيس حكومته، ويضرب كل قانون وتشريع ويحتفظ بالمال العام عنوة من دون تحويله الى الخزينة، وينجز فيه الصفقات المشبوهة.
بلد لا يقدم فيه الحزب الحاكم ولا ورقة اقتصادية طوال فترة وجوده على الساحة سواء من ايام بدء عمله الميليشياوي، او بعد أن اذن له الولي الفقيه بالممارسة السياسية، إذ يبدو ان تدفق المال النظيف، بالصناديق السود التي يحملها اصحاب القمصان السود، أنسى هذا الحزب معنى الاهتمام بالاقتصاد وبتغذية مصادر الدخل للخزينة وتنويعه.
الحديث هنا لا يهدف الى تعداد ما انجره رفيق الحريري للبنان أو ما كان يعمل لبلوغه، إنما لعرض منهجين في التعامل مع الجانب الاقتصادي للبنان وتقريب الصورة الى اللبنانيين عما يمكن ان ينتظرهم في المرحلة المقبلة. مدرسة رفيق الحريري ومن بعده سعد الحريري القائمة على برنامج موجود وفي متناول الجميع عنوانه "البرنامج الاقتصادي والاجتماعي" في مقابل ملف فارغ إلا من الخروقات والممارسات التعديات على المال العام وكل سبل إعاقة قيام الدولة.
المتابع لمسيرة فريق الحزب الله الحاكم وملحقاته في 8 آذار خلال مشاركتهم المفروضة بقوة السلاح في حكومة الوحدة الوطنية يلحظ ان العمل الاقتصادي كان يقتصر على فتح ملفات بهدف استثمارها السياسي بالدرجة الاولى أكثر منه تقديم انجازات فعلية في عمل الوزارات.
ويذكر اللبناننيون ملف الـ 11 مليار الذي فتحه ذها الفريق متجاخلا ان المبلغ تضمن إنفاق 81% منه على الكهرباء، ودفع رواتب وتسيير شؤون الدولة. لقد تجاهل فريق الحزب الحاكم، الذي صوّب على ملف المساعدات والهبات الخارجية، ان كل الهبات الايرانية لا تدخل الى مصرف لبنان ولا تمر عبر الحكومة اللبنانية التي بدورها لا تعرف أين تصرف.
لوزير الاتصالات المستقيل شربل نحاس حكاية طويلة مع اتّقان مخالفة القوانين والدستور، الذي سمح لنفسه التصرف بمبلغ 300 الف دولار، هي عبارة عن هبتين من بنكين، فتلقاها من دون إطلاع مجلس الوزراء وهذا بحد ذاته مخالف للقانون واستعملها من دون إذن المجلس ليس لدفع رواتب وأجور اشخاص متخصصين بعملهم الرقابي، إنما لمستشارين يعملون في مكتبه، متناسيا البيان الوزاري الحكومي الذي تحدث عن ضبط الاعمال غير الشرعية في مجالات الخدمات والاتصالات.
أبرز انجازات الوزير على الاطلاق تمثلت في انه لم يقدم أي مشروع طيلة 14 شهرا من عمر الحكومة كما نسف مبدأ استشارة الهيئة الناظمة للاتصالات، وهو تفنن في تجميد ما يزيد على مليار دولار في الوزارة ولم يحولها الى الخزينة. نحاس أراد تغيير صلاحيات هيئة أوجيرو، وهي وفقاً للقانون 72 والقانون 431/2002 تتمتع باستقلال اداري ومالي، يهدف من وراء ذلك وضع الهيئة تحت سلطته ليحدد مهامها واطار عملها وموازناتها. .ولمّا لم يطاوعه مجلس الوزراء في رغبته بشأن أوجيرو، أعلن رفضه تحويل المبالغ المتراكمة لدى الوزارة الى خزينة الدولة.
في ملف الألياف البصرية، أصر نحاس على تجاهل كل القوانين المرعية لناحية تلزيم مشروع بالتراضي الى شركة لا خبرة لها في المجال، مصرا على المضي قدما في مسعاه لأخذ براءة الذمة من الشعب اللبناني ورمي كرة الفساد الذي يمارسه.
نحاس حصل على مبلغ 100 مليون ليرة كان يتوجب عليه ان يصرفها لأوجيرو لكنه تحفظ على 22 مليون ليرة منها من دون تحويلها الى الهيئة المديونة بأكثر من 25 مليون ليرة، فهل سياسة نحاس مع أوجيرو واعية أم كيدية؟ وهل تنم عن فهم لعمل القطاع او عن عدم فهم؟
بمتابعة "تعب" نحاس وسهره على مخالفته القوانين، اتخذ الوزير قرارات بالتعيين في 4 مراكز، متجاهلا شرط موافقة مجلس الخدمة المدنية لا سيما لجهة تعيين الموظف الأكثر كفاءة. وقد دعته حكمته وبُعد نظره الى نقل موظف فئة ثالثة من ملاك المديرية العامة للانشاء والتجهيز، الى مركز المدير العام للاستثمار والصيانة كمدير استثمار فئة ثانية، علما ان المركز شاغر منذ 11 سنة، وحصل على يد نحاس في "يوم وليلة" ولما لم تجد التعيينات التي قام بها الوزير طريقها للتنفيذ لأنها مخالفة للقانون، قام بإنزال على مكتب رئيس هيئة اوجيرو عبد المنعم يوسف وكسّر الابواب وأصدر قرار عقوبات بحق يوسف.
عمل نحاس اشمل ايضا السعي لترسية اعمال الجيل الثالث من الاتصالات متجاهلا ان عليه التقدم بخطة الى مجلس الوزراء حول كيفية هيكلة القطاع، وهو لم يقدم شيئا خلال 14 شهرا، ولم يقم باستشارة الهيئة الناظمة للاتصالات التي من المفترض ان تكون مستقلة واصبحت تابعة له، ومتجاهلا ايضا القانون 431 الذي يوجب أخذ ترخيص من مجلس الوزراء لاطلاق خدمة من هذا النوع.
وفي إطار هدره للمال العام في ادارة القطاع الخليوي، فيمكن الحديث طويلا عن التعديلات على العقود مع شركتي الهاتف الخلوي. وبمقارنة بسيطة كانت كلفة ادارة الشبكتين ايام الوزير جان لوي قرداحي نحو 5,3 ملايين دولار شهرياً وكانت تربح نحو نصف مليون، وعندما اتى جبران باسيل رفع التكلفة لتصبح 7,4 ملايين دولار شهرياً والربح مليون ونصف المليون دولار، اتى شربل نحاس وفاوض الشركات فارتفعت كلفة التشغيل الى 9 ملايين دولار شهرياً، واصبحت ارباح الشركات 3 ملايين دولار.
كانت آخر أفلاك جبران باسيل ان تسبب بأزمة بنزين لأربعة اسابيع متتالية بعد الانقلاب الذي اسقط الحكومة. بعد استقالته فقط تذكر باسيل ان سعر صفيحة البنزين مرتفع وان رسم الاستهلاك الداخلي يجب ان يُخفض واعتقد للحظة ان بامكانه تجاوز الاصول الدستورية فاصدر قرارا وجهه الى المجلس الاعلى للجمارك مطالبا بخفض الرسم 3300 ليرة. ولما لم تسر الامور بحسب ما اشتهى تمنع عن توقيع جدول تركيب الاسعار ما أدى الى توقف تجمع الشركات المستوردة للنفط عن تسليم البنزين الى المحطات.
نعم، نجح باسيل في إعادة اللبنانيين الى زمن الحرب حين كانت السيارات تصطف في طوابير طويلة امام المحطات، كما نجح في اعطاء فرصة للسوق السوداء لتتحكم برقاب العباد. وعندما اصدر رئيس الجمهورية والحكومة موافقة استثنائية بخفض الرسم خمسة آلاف ليرة بناء على قرار وزيرة المال ريا الحسن، مارس باسيل افضل ما يعرف ممارسته من عهر سياسي فنسب الفضل لنفسه، وقال إن الضغوط التي مارسها أثمرت لمصلحة المواطن.
جبران باسيل، كزميله نحاس تصرف بالمال العام من خارج الموازنة، اخذ ثلاث سلفات، وستة مليارات ليرة لدراسة تأمين 700 ميغا واط كهرباء ولم يضع دفتر شروط ولا دراسة. كما حصل على ثلاثة مليارات ليرة سلفة للخطة البديلة لدعم المازوت فاشترى بها لمبات وأقام عقداً بالتراضي مع زوجته عبر شركة كليمنتين للترويج.
45 مليار ليرة كان إجمالي ما اقره محجلس الوزراء لمصالح مياه، باسيل بابداعه صُرف نصفها بطريقة أخافت وزارة المالية فأوقفت القسم الثاني. وإن كان صحيحا ان باسيل كان أشطر من نحاس وقدّم خطة للنهوض بقطاع الكهرباء إلا انه استعان بما كان محضرا من ايام الرئيس الشهيد رفيق الحريري، المتهم وتياره بالفساد، فلماذا اعتمد التيار العوني الذي يدّعي الاصلاح على هذه الخطة؟ سؤال لا جواب له.
إذاً، هذا هو التيار العوني الاصلاحي الذي يحاول ان يخون فترة طويلة من الاصلاحات التي قام بها الرئيس الشهيد رفيق الحريري والحكومات التي تلته، فكيف يمكن لوزير ان يدخل في تلزيمات مشبوهة ويرفع لنفسه شعار الاصلاح والتغيير؟ اما الصفقة المشبوهة التي لم يوافق عليها مجلس الوزراء في توليد الكهرباء عبر البواخر.
ولعلم الرأي العام، فقد كان لباسيل 48 مستشارا وزعهم ما بين برنامج الامم المتحدة الانمائي والبنك الدولي وعلى مجلس الانماء والاعمار حتى وصل ان يوزعهم في شركات خاصة تعمل لدى الوزارة كشركة PGS التي اجرت مسح الزلازال الثلاثي، وهم لديهم مصالح لاحقة في لبنان كالتنقيب عن النفط وغيره. بذهنية باسيل، هكذا يكون الاصلاح و تغيير.
من ضمن مخالفاته، تجاهل باسيل وجوب تأسيس هيئة منظمة لقطاع الطاقة في لبنان فتجاهلها، وهذا يفسر العمل الذي كان يقوم به عند درس اللجان المشتركة لقانون التنقيب عن النفط، عندما ابتكر مشكلة صلاحيات الوزير، وأراد ان يجعل من نفسه فرعونا جديدا، عبر محاولة غير ناجحة لتجريد الهيئة من صلاحياتها.
وإذا كان هدف السياحة في لبنان ان تبرز وجهه الحضاري، إلا ان الوزير المؤتمن عليها كان يفقتر لهذا الوجه. فوزير السياحة فادي عبود افقتد الى ثقافة التعامل مع موظفي الوزارة، فهو شتم، طرد تعسفا، تهكم وضرب.
لقد وصل الامر بوزير شكّل مدخول القطاع الذي يشرف عليه ما يزيد على 13,5 في المئة من الناتج المحلي، مزاجه الى حدّ ضرب احدى العاملات في الوزارة ضربا مبرحا. عبود أهان موظفة في الوزارة امام وفد ماليزي ليؤكد الوجه الحضاري للبنان ويشوّه صورته الشخصية امام الاجانب.
ولما اعترضت الموظفة على اسلوب الوزير في مخاطبتها وطلبت منه عدم اهانتها فما كان من "معاليه" إلا أن اعتدى عليها بالضرب حتى ان بعض زملائها دخلوا الى مكتبه لاخراجها وانقاذها بعد ان رماها الوزير ارضاً.
هذه الحادثة ليست معزولة عن تصرفات عبود التي يرويها موظفو الوزارة الذي اعتاد توجيه الاهانات والشتائم الى الموظفين، حتى ان هناك شخصا يطلق عليه الوزير اسما يطلق عادة على غير البشر. فأي شيم حمل وزير السياحة والرئيس سابق لجمعية الصناعيين؟ وهل اهانة النساء والسياسيين من صفات السياسي المحترم؟
وزير السياحة لا يهين الناس وحسب بل يمارس الطرد التعسفي المبني على حسابات شخصية وسياسية. عبود تحدث عن المطار كثيرا ومن المؤكد ان عقبة واجهته في تنظيم اسيارات لتاكسي، فليقل عبود لماذا لم يحل المشكلة، أو هل أنه تصادم مع قوى حليفة منعه من ذلك؟
مهم جدا ان يميّز اللبنانيون وهم على ابواب لحظة التغيير بين نهجين في التفكير الاقتصادي. فعندما تحدث الرئيس سعد الحريري عن هموم الناس وحكومة اولويات المواطنين، لم يكن يتحدث عن ذلك لهدف انتخابي او للوصول الى منصب لأنه كان على راس الحكومة اساساً، وبالتالي فهذه الشعارات كان تعبّر عن حقيقة ما أراده سعد الحريري للحكومة ان تنجزه. وهو انطلق من هذه الاولويات الى ترجمتها فكان ان تضمنت الموازنة العديد من التخفيضات الضريبية المؤثرة في حياة الناس كما لم تُرفع الضريبة على القيمة المضافة. إلا ان النهج التعطيلي الذي اتخذه الفريق الآخر، آثر في مكان ضرب مصداقية الرئيس سعد الحريري وتشويه مساعيه في الاقتصاد كما في السياسة وبدا ذلك واضحا في أكثر من محطة وتوجه الوزير العوني شربل نحاس حين تهمجّم كلاميا على الرئيس الحريري في إحدى جلسات الحكومة.
إن التغيير الذي يريده اللبنانيون ويتوجهون الى ساحة الحرية من أجله، لا ينطلق من رغبتهم العميقة في كسر غلبة السلاح وحسب بل في رغبتهم ايضا بالوصول الى مستوى معيشي ارقى حرموا منه على مدى سنوات، بفعل وجود السلاح وهيمنته حتى على مفاصل الاقتصاد. فالحزب الحاكم لم يطرح اي رؤية اقتصادية منذ دخوله الحياة السياسية، بينما لعب سلاحه دور نقيض الاعمار والازدهار، وشكّل سببا دائما لكل المرجعيات الاقتصادية الدولية ليكون لديها خوف على آفاق الاقتصاد اللبناني فكان أن حذرت كل التقارير الحديثة من ان التوتر السياسي ووصول لبنان الى حافة الحرب الاهلية في محطات محددة، يمثل تهديدا لكل فرص الانتعاش.
اللبنانيين اختاروا اي بلد يريدون وأي وجه حضاري يرتضون، وبات في وسعهم ايضا اختيار اي اقتصاد واي مستوى معيشي يرتضون، وعليه فإن 14 آذار في ساحة الحرية سيشكل لحظة جديدة للعمل على إسقاط السلاح ورفع راية النمو الاقتصادي وفرص العمل والبناء والتعليم والازدهار.