إلى قيادة 14 آذار وجمهور ساحة الحرية
قد تكون هذه الرسالة هي الردّ الأبلغ والأوضح على ما يحاول أن يدّعيه وليد جنبلاط من تحريض للرئيس سعد الحريري عليه، أو على أن ما تبقى له من رفيق الحريري «ذكراه»، ويا ليته ينساه وينسانا فيريحنا من جميلة تذكّره لدماء شهيد «دعس» عليها تماماً كما «دعس» على دماء أبيه الشهيد خوفاً على دمه وحياته!!
وليد جنبلاط «النّموذج» الأسوأ في تاريخ سياسة الانتهاز والانقلاب على النفس، مع أن السياسة مجموعة قيم ومبادئ والتزامات، وما يحزن أن الرّجل ما زال مصراً على الكلام بعدما أعلن مراراً «أنه يكذب» أو يصاب بلحظات «تخلّي»… وبين شباب الدروز ورجالهم ونسائهم ملامح نخوة وشهامة وكرامة لم نقرأ ملمحاً لها يوماً في انقلابات وليد جنبلاط…
أفضل ردّ على رجل وصفه ـ يوم 7 أيار في خطاب إحراق بيروت حليفه اليوم أمين عام حزب الله الذي سلّم له جنبلاط زمام قيادته ـ بأنه «كذوب» وفسّرها لجمهور المشاهدين بأن «الكذوب» هو أكثر من «كذّاب»، أفضل ردّ على من أضاع نفسه وضلّ طريقه مرات عدّة، هذه الرسالة التي وصلتني من صديق درزي، رسالة أنشر منها ما تتسع المساحة لنشره، فشركاؤنا في الوطن وأهلنا وإخواننا من بني معروف يستحقّون أن نفرد لصوتهم مساحة، صوتهم الذي لم يعد باستطاعة وليد جنبلاط أن يخنقه ويُهمّشه ويُتفّه نضالاته بحجة «حماية» نفسه و»إقطاعيته»، فهؤلاء الشباب جزء من مستقبل لبنان ومن نسيج كيانه، وفي زمن الثورات العربية والفايسبوك لم يعد جنبلاط قادراً على إقناعهم بأنهم «أقلية» ضعافاً لأنّه إنما يقول ذلك ليتسنّى له أن يظلّ مسيطراً على مقدّراتهم، فهو يرى أن ابنه أهم من كلّ هؤلاء وهو يعدّه ليقودهم من دون أن يسألهم رأيهم حتى في الأمر، هؤلاء الشباب ليسوا أكثر من «ميراث» في نظره كما قطعة أرض أو شركة نفط أو مصانع نبيذ، يورّثهم وليد جنبلاط لتيمور كأنّهم ملكيّة خاصة لا جزءاً حقيقياً وفاعلاً من الشعب اللبناني… ورسالتهم خير ردّ عليه، وهي أفضل ناطق عنهم:
«رسالة مفتوحة الى قيادات 14 آذار والى جمهور ساحة الحرية، بمناسبة التحضيرات الجارية لإحياء هذه الذكرى، يوم الأحد الواقع فيه 13 آذار 2011 في ساحة الشهداء، في وسط بيروت… سلام عليكم يا رفاق النضال المشترك في 14 آذار.. سلام عليكم يا رفاق الهتافات الموحدة، يا رفاق المبادئ الموحدة، ويا رفاق الهدف الواحد: لبنان سيد حرّ مستقل. سلام عليكم يا ثوارًا على الدم، يا ثوارًا على الظلم، وعلى التبعية. سلام عليكم من رفاق الليالي الطويلة في تحدي حواجز الخوف والرعب، يا رفاق الحفاظ على صيغة لبنان وعيشه المشترك..
(…) كان لا بد من أن نتوجّه إليكم بهذه الرسالة، نحن جمهور الحزب التقدمي الاشتراكي وجمهور الزعيم الذي وقف أمامكم صارخاً: «لن ينالوا من حبنا للحياة وعشقنا للحرية»، نحن شباب درزي، وقد نكون قلة لكنها تنطق بلسان كثرة صامتة بدافع شعور التكاتف والتضامن الذي يعتري الأقليات متى استشعرت الحذر، جئنا نؤكد لكم وللعالم الاستمرار في ما بدأناه سويًا وسوف نكمله سويًا إن شاء الله.
وعليه، نعلن ما يلي : إن شباب الدروز، وفي ظل ما يلاقونه لدى قيادتهم السياسية الحالية من تبدّل في المواقف، وتغيّر في النهج، وخلل في الممارسة، بما لا يتفق مع مّا اعتادوا عليه من زعمائهم التقليديين، الزمنيين والروحيين، ومنهم الأمير الحديث وليد جنبلاط، قد بدأوا يميلون إلى خيارات جديدة يجدون فيها احترامًا لعقولهم وقيمهم، وما يلائم تطلعاتهم ورؤيتهم، ماضيًا ومستقبلاً، وما وينسجم مع شخصيتهم الحرّة المفطورة على الاستقلالية.
(…) أيها الرفاق.. لا تخافوا مما قد يسوّقه البعض عن وجود أصولية درزية، فلا أصولية عند الدروز ولا أصوليين، والدروز المتشددون في دينهم أكثر الخلق ابتعادًا عن الشأن العام وقضاياه. ومن يعرف الدروز عن كثب يعلم حقيقة ما يهتم له هؤلاء، وأنّه كلّما غدا الدرزي أكثر تأثرًا بعقيدته غدا أقلّ اهتمامًا بما حوله وأكثر اندفاعًا نحو العزلة والانفراد والخلوة… (…) إنّ القاعدة الذهبية عند الدروز في علاقاتهم مع باقي المجتمعات هي قط في عدم السكوت على الأذى، فلا نيات توسّعية لدى الدروز ولا أحلام بكيانات خاصة، والأحاديث عن رغبة في إقامة دويلة أو حكم ذاتي هو ضرب من ضروب الغباء والجنون في عقول قائليه، فهم في عزّ قوتهم مع الأمراء المعنيين لم يعلنوا دولتهم، فكيف في حالهم اليوم، وهم يدركون ما قد يجلبه أمر كهذا عليهم من الويلات والمتاعب.
لقد علّمت التجارب الدروز كثيرًا فاندفعوا بعد اتفاق الطائف إلى طي صفحة الحرب سريعًا، ومدّ اليد لتناسي الأحقاد وتركيز السلم الأهلي، ولمّ شملّ ما تفرّق في الجبل إبّان الحرب، فاتحين الباب لعودة كريمة لمن تهجّر منه خلالها وبسببها، ودخلوا مقتنعين إلى أقصى الحدود بمصالحة تجلت في مناسبات عدّة كانت أغلاها زيارة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير إلى الجبل (…) أما وقوف الدروز ضد مشروع حزب الله فلأن هذا الحزب قد انتهك ميزان الصيغة اللبنانية الفريدة وبدأ يأخذ بها نحو تذويبها وإخفائها طوعًا أمام إرادة الإمبراطورية الفارسية… ولأن هذا الحزب جاء ليطمس بربع قرن من عمره تاريخًا من ألف عام أمضاه الدروز يصنعون فيه الفكرة اللبنانية ويحفظونها تحت لوائهم ويحرسونها ساعة من خطر الفرنجة والأتراك وساعة من خطر والي عكا أو والي الشام.
(…) أيها الرفاق.. لقد خرج كبيرنا من بينكم مقتفيًا أثر المصلحة الانتخابية، فقلنا له بداية: نحبك ولكننا لن نتبعك، ثم أمعن فأمعنّا، وأكثر في التنازل فرفضنا، وتناسى والده فأبينا، وصالح عن ضعف فغضبنا، وتراجع عن المبادئ وانقلب على العهود فنزعنا عنه ثقة النفوس ونزعنا من النفوس ما سقيناها من حبّه والولاء له (…) أيها الرفاق.. لقد أزحنا عن أكتافنا عباءة داخلية لا لنضع عباءة خارجية، فمتى دمتم أوفياء لمبادئنا وقيمنا هذه دمنا معكم»…
ننشر هذه الرسالة ليقرأها شخص واحد فقط ما زال يظنّ أنّه إن قال فالناس تصغي أو تصدّق قوله، رغم قناعتنا الشديدة أن شعاره الأهم والأكبر والذي يُضحي في سبيله بالغالي والنفيس هو: «مصلحتي الشخصيّة أولاً.. وفوق أي اعتبار»!!