فيما كانت مناطق لبنانية عدة من لون طائفي محدد تنفذ يوم غضب صارخ وعنيف احتجاجا على إسقاط حكومة سعد الحريري بقوة الترهيب في استعمال السلاح، كانت دوائر الحكم السعودية تشعر بغضب صامت فيه بعض من الشعور بالمفاجأة، إزاء ما حصل من انقلاب في بيروت على التفاهمات والعهود من قبل حلفاء للمملكة لا يمكن وضعهم في الخانة نفسها التي تنظر بها السعودية الى "حزب الله" وحركة "امل" والعماد ميشال عون.
ويوم الغضب السعودي الصامت الذي لم يقتصر على يوم واحد، صَبّ جام غضبه بالتساوي على النائب وليد جنبلاط والرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، وطال بالمفرّق النائب نعمة طعمة الذي كان يحسب من ضمن الشخصيات التي لا يمكنها، حتى لو أرادت، أن تُغضب السعودية، نظرا لما يعرفه الجميع من التموضع المالي والاقتصادي لأعمالها في المملكة.
وعلى عكس حملة التمويه المبرمجة التي تولاها سياسيو الثامن من آذار، فإن الصورة الصحيحة للموقف السعودي كانت تشير إلى قيام غير مسؤول سعودي بتوجيه من الملك عبد الله في الاتصال برموز الانقلاب الذي كان يفترض انهم من أهل البيت، لإعلامهم بأن القيادة السعودية ترفض إسقاط الحكومة بالطريقة التي أسقطت بها، وأنها تتمنى على هؤلاء درس مواقفهم جيدا واحتساب مدى ما سيتركه دعمهم لحزب الله من آثار سلبية على علاقاتهم بالسعودية.
ومن ضمن الرسائل التي تم إيصالها إلى جنبلاط وميقاتي والصفدي، ما مفاده أنه إذا كان بعض القيادة السعودية عاتب على الحريري لسبب أو لآخر، فإن القيادة ككل مُجمعة على دعمه بسبب تماهيه مع المبادرة السعودية تجاه سوريا لحل الأزمة اللبنانية.
ومع أن ميقاتي وجنبلاط والصفدي قد فهموا هذه الرسالة جيدا، فإن كلا منهم قرر المَضي في خياراته، ولكلّ أسبابه، ولكن الثلاثة اعتقدوا أن الموقف السعودي سيعتمد اسلوبا براغماتيا من خلال الاضطرار إلى التعامل مع حكومة ميقاتي على أنها أمر واقع.
وأتت أحداث اليوم الثاني للتكليف الميقاتي، لترسم صورة معاكسة للتفاؤل بإمكان انطلاق قطار حكومة "حزب الله" المدعومة سورياً.
وكان جنبلاط الأول في مجموعة الاصدقاء المنقلبين الذي حاول، عبر الوزير غازي العريضي، إعادة فتح الباب الذي أقفله السعوديون، فكان الجواب الصَدّ الصريح الذي عاد جنبلاط واعترف به علنا، خلافا لـ "بروباغندا" 8 آذار التي حاولت التشويش على الموقف السعودي الحقيقي.
أما ثاني الأصدقاء المنقلبين، اي الرئيس نجيب ميقاتي، فإلى جانب إقفال الباب امامه لنيل غطاء سعودي، سمع كلاما فيه أكثر من عتب وأكثر من تذكير بالضغط الذي مارسته القيادة السعودية لضمّه إلى تحالف طرابلس. وتمّ لفت نظر ميقاتي إلى سلوك كان يفترض ان يقوم به مشابه للالتزام الذي طبّقه النائب تمام سلام قولا وفعلا في بيروت، حين بقي إلى جانب حليفه الطبيعي سعد الحريري، محتفظا لنفسه بموقع النائب المستقل المؤتمن على ما تعهّد به أمام ناخبيه، في موضوع المحكمة وغيرها من الثوابت.
أما "الصديق المنقلب" الثالث محمد الصفدي، فقد كانت القراءة بالنسبة إليه واضحة عندما قرر دعم ترشيح ميقاتي، مُعوّلا على استيعاب ردة الفعل السعودية خلال أسابيع.
ولم يكتم أمام اصدقاء ومقربين منه شعوره "بأننا دخلنا في مأزق، ولم نكن نعتقد أن خيار تكليف ميقاتي سيدفعنا ثمنا سياسيا باهظا إلى هذه الدرجة".
وبعد هذا الانسداد في أنابيب العلاقة السعودية مع الأصدقاء القدامى، هل بات ممكنا توقّع أن يَصح رهانهم على عودة الحرارة الى العلاقة السعودية – السورية، وما يمكن ان تعكسه من اعادة نظر بالموقف السعودي تجاه تكليف ميقاتي؟.
الواضح ان ما يرشح من معطيات في مسار العلاقة السعودية – السورية لا ينبئ حتى الآن بإمكان إحياء معادلة س – س، فالزيارة الرئاسية السورية إلى الرياض التي روّجت لحصولها قوى لبنانية حليفة لدمشق، تأخّرت. وهي على الارجح إذا حصلت لن تكون مجرد زيارة بروتوكولية، بل سيسبقها جدول أعمال واضح لا ينطلق من مرحلة ما قبل فشل المسعى السعودي السوري، بل يتأسس على وقائع ما بعد الخطوة السورية المغامرة التي تمثلت في دعم إسقاط حكومة الحريري.والواضح أيضا أن السعودية لا تريد ان تكرر خطأ الرهان على دور سوري اعتقدته ايجابيا في الملفين الفلسطيني والعراقي، وتبيّن لاحقا انه مجرد تحذير بقصد التمكن من تحقيق أهداف منفردة. وبالتالي فإن السعودية ولو متأخرة، لا تريد تكرار الأخطاء التي ارتكبت في التعامل مع سوريا في الملف اللبناني، بعد ان برهنت التجربة منذ مصالحة الكويت عدم حدوث هذا التنسيق عراقيا وفلسطينيا. وقد بات السلوك السعودي في التعاطي مع سوريا ينطلق من قاعدة ان المؤمن لن يلدغ من الجحر ثلاث مرات.