كتب وسام ابو حرفوش في صحيفة "الراي" الكويتيّة":
ارتفعت في بيروت، وعلى نحو بارز، الوتيرة الصاخبة للمواجهة السياسية عشية احياء حركة "14 آذار" الذكرى السادسة لـ"انتفاضة الاستقلال" عبر الحشد الجماهيري في ساحة الشهداء الاحد المقبل. وبلغت الحماوة السياسية أوجها في الساعات الماضية بسبب الشعار "المركزي" لحملة "14 آذار" الداعي لاسقاط ما يوصف بوصاية سلاح "حزب الله" على الحياة السياسية، في تطور بالغ الدلالة وغير مسبوق. ورغم ان "حزب الله" يستمر في صمته حيال الحملة المتصاعدة ضد سلاحه لأسباب عدة، فإنه يبادل حملة "14 آذار" بمثلها لكن في اتجاه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ووقف التعاون معها.
ولفت في هذا السياق ان رئيس البرلمان نبيه بري، شريك "حزب الله" تولى شخصياً الرد على ما يوحي بـ"حرب سياسية" مفتوحة ضد سلاح الحزب كـ "معطى جديد" في الصراع الداخلي المتأجج. وكان تحالف "14 آذار"، الذي قرر الانتقال الى المعارضة اتهم "حزب الله" بتحويل سلاحه قوة ضغط في الانقلاب السياسي ـ الدستوري الذي اطاح بحكومة سعد الحريري وافضى الى تكليف نجيب ميقاتي تشكيل حكومة جديدة. وبدت مهمة ميقاتي، بعد نحو شهر ونصف شهر، امام مصاعب داخلية وخارجية، ليس اقلها صراع "الاكثرية الجديدة" على الكعكة الحكومية وإنكفاء سورية والخطوط الحمر الدولية التي رسمت للحكومة العتيدة. ورغم الانطباع بوجود قرار طوعي من ميقاتي وحلفائه الجدد بتأخير تشكيل الحكومة الى ما بعد احتفال 13 آذار وصدور القرار الاتهامي، فإنه من غير المستبعد اصطدام الرئيس المكلف باوضاع تدفعه الى… الاعتذار. وثمة من يعتقد في بيروت بأن ميقاتي الذي قرر في لحظة "صدام سياسي" تلقف "كرة النار" والذهاب الى احداث "كوة" عبر حكومة متوازنة، يتجه نحو حائط مسدود يصعب اختراقه لاسباب عدة من بينها:
– قرار "14 آذار" بعدم المشاركة في الحكومة، الامر الذي يجعل حكومة ميقاتي العتيدة تلقائياً "ناقصة" وكأنها لا تمثل الا "نصف لبنان".
– اصطدام ميقاتي بشروط بعض حلفائه، كـ"التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون، الذي يريد ما يشبه "حكومة خاصة" من 11 وزيراً واكثر، مع حقائب محددة داخل الحكومة.
– حدة الانقسام الداخلي الآخذ بالاتساع وعلى نحو دراماتيكي لاسيما حول ملفين بالغي الحساسية، هما سلاح "حزب الله" والمحكمة الدولية، وتعاون لبنان معها.
– غياب اي رافعة اقليمية لميقاتي ومهمته بعد انكفاء سوري لاعتبارات تتصل بتوجس دمشق من تطورات الوضع في المنطقة، وادارة ظهر سعودية له في الحد الادنى.
– ابلاغ واشنطن وباريس وسواهما من العواصم المؤثرة ان الموقف من حكومته سيتحدد في ضوء تركيبتها "المتوازنة" وبيانها الوزاري ومدى التزامها بالقرارات الدولية، لا سيما المحكمة الخاصة بلبنان. ولعل الاكثر اثارة على الاطلاق هو ان ميقاتي سيجد نفسه وسط اشتباك سياسي لا هوادة فيه بين طرفي الصراع، عناوينه الساخنة الموقف من سلاح "حزب الله" ومن المحكمة الدولية، وهو ما بدأ يضغط بقوة على اليوميات السياسية في بيروت المفتوحة على المزيد من المعارك القاسية.
وتواصلت امس في بيروت جولات "الاشتباك السياسي" وبـ"الصوت العالي"، وسط تسجيل اول "معركة" كلامية، على طريقة "الرد والرد المضاد" بين بري والرئيس سعد الحريري. فغداة ردّ رئيس حكومة تصريف الاعمال على اتهام رئيس البرلمان له باعتماد "الخطاب التحريضي ضد المقاومة"، ذهب بري أبعد في ردّه على الحريري لافتاَ الى ان "حملة التحريض والتجييش التي يقوم بها فريق "14 الشهر" هي بكاء على الحكم والسلطة وليس على العدالة"، واصفاً إياها بأنها "خرجت عن كل الثوابت والضوابط الوطنية".
واذ شدد رئيس البرلمان على "ضرورة تشكيل الحكومة في أسرع وقت من أجل الانصراف إلى مواجهة الاستحقاقات المقبلة ومعالجة القضايا التي تهمّ الناس"، نُقل عنه قوله امام النواب الذين التقاهم في اطار "لقاء الاربعاء" أن لا حكومة قبل 13 الجاري "ويجب تشكيلها بعد هذا التاريخ ولا داعي للمماطلة". وكان الحريري قال امام وفود زارته مساء الثلاثاء: "استمعت إلى كلام للرئيس بري يقول فيه اننا تخلينا عن معادلة "الجيش والشعب والمقاومة"، والحقيقة أننا مع هذه المعادلة إذا كانت تحت سقف الدولة"، سائلاً: "ألا تشكل الحملة على المحكمة الدولية دعوة مباشرة إلى التحريض وخرق قواعد الإجماع الوطني؟"، ومعلناً "أن موقفنا من غلبة السلاح لا يعني الطائفة الشيعية ودورها ومكانتها، إنما يعني كل الجهات والأحزاب والتنظيمات اللبنانية وغير اللبنانية التي تجعل من السلاح وسيلة للابتزاز الداخلي، ونرى أن الطائفة الشيعية هي أول المتضررين من هيمنة السلاح، وأن العمل الجاري على عسْكرة هذه الطائفة الأساسية في حياة لبنان يسيء إليها". وفي السياق نفسه، شنّ نائب رئيس "تيار المستقبل" انطوان اندراوس هجوماً غير مسبوق على بري "الذي يشهد تاريخ علاقته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيس سعد الحريري بانه يطعن كل مرة في الظهر، وهو بارع في الإبتزاز والمراوغة وكسب المواقع حتى لو كان على حساب "حزب الله"، وتاريخه أسود وهو آخر شخص يحق له التحدث عن تداول السلطة لأنّه يشغل منصب رئيس مجلس النواب منذ عشرين سنة وهو رئيس مليشيا".
وقد اعتبرت دوائر مراقبة ان "النفَس" الهجومي، وإن من باب الدفاع، للحريري وتياره، معطوفاً على موقف "كتلة المستقبل" التي يترأسها والذي صدر في السياق نفسه وعلى التصويب المباشر للنائب غازي يوسف على العماد ميشال عون و"ملفه المالي"، يشكّل ترجمة لمرحلة "عدم السكوت" و"الردّ على الملف بالملف وعلى الموقف بالموقف"، ما يؤذن بأن زعيم "المستقبل" انخرط فعلياً في "مرحلة ما بعد استشارات التكليف" التي "تختلف عما قبلها" على ما كان اعلن بعيد إقصائه عن رئاسة الحكومة.
على انه وفي موازاة "اندفاعة" الحريري، تبرز ملامح مرحلة من "حرق المراكب" في العلاقة بينه وبين رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط الذي واصل تصعيده في وجه زعيم "المستقبل" منذ كلام الأخير في ذكرى اغتيال والده عن "الغدر والخيانة" في ما اعتبره الزعيم الدرزي غمزاً من قناته على خلفية تصويته في الاستشارات النيابية لمصلحة تكليف ميقاتي. وقد اكد جنبلاط "ان قوى "14 آذار" وسعد الحريري يقودان الانقسام الداخلي إلى شرخ عمودي خطير يستهدف طائفة برمتها"، معرباً عن إستيائه من رؤية "التحريض" عليه من "المستقبل" في الممكلة العربية السعودية والشوف "وهم يحرّكون الجرح الدرزي ويلعبون لعبة لا أودّ أن أسميها حقارة. يريدون تأليب الدروز عليّ". واشار الى أن "سعد الحريري لا يشبه والده"، وقال: "كان رفيق الحريري نموذجاً خاصاً واستثنائياً، ولم يعد يجمعني بسعد الحريري إلا ذكرى والده"، ملاحظاً "أن عودة الحريري من الرياض مستقوياً بالحملة على سلاح المقاومة دليل على عدم دقة ما شاع في أوساط قوى "8 آذار" من أن هناك غضباً سعودياً عليه، وليس صحيحاً أن الملك غضب منه بعد إعلانه انتهاء معادلة الـ"س – س". وواصفاً القطيعة بينه وبين السعودية بـ"سحابة صيف، ووجود سعد في السعودية يجعله يتحرّك ضدّي ويحرضها عليّ".
وفي موازاة ذلك، رفع رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" د. سمير جعجع سقف الموقف من سلاح "حزب الله" عشية تظاهرة 13 آذار، فشدد على أنّ "الوجود العسكري لحزب الله يشكل خطراً على لبنان ويجلب المخاطر اليه".
ولفت "استناداً إلى "معلومات" الى "أنّ سوريا شريكة في الانقلاب الذي حصل في لبنان"، مؤكدًا في المقابل أن "لا عودة إلى الـ"س – س"، وكاشفاً ان فريق "8 آذار" لم يقم بأي شيء لإنجاح الـ"س – س" ومعلنا "وانا قمت بما يمكنني كي لا تنجح".
في المقابل، وفي حين واصل "حزب الله" التسلح بالصمت حيال الحملة على سلاحه، أكمل "حملته على المحكمة الدولية، فاعلن بلسان نائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم ان المحكمة "جزء من خطة اميركية – اسرائيلية لضرب المقاومة (…) وجماعة "14 آذار" يريدون هذه المحكمة لاستهداف المقاومة ولا يريدونها من اجل الحقيقة".
وكان العماد عون، دخل بدوره على خط السجال حول السلاح والمحكمة والحكومة، معلناً في ردّ على الحريري "منشوف حالنا بسلاح المقاومة لأنه حافظ على كرامتنا"، لافتاً الى "ان الحملة على السلاح مسٌّ بالثوابت الوطنية والعيش والمشترك، وتندرج في إطار انحطاط الخطابات السياسية". واذ سأل عون "لماذا التشجيع على المذهبية؟"، قال: "خطاب الفريق الآخر يجعلنا نتقيّأ".