#adsense

غبطة الأب

حجم الخط

داخل جدران عمرها من عمر شعب، مرتفعة على إحدى أراضي بكركي الرابضة على الطريق التي توصلك إلى مقام سيدة لبنان في حريصا، يجلس على كرسيّ خشبه من جذوع أرز الرب، رجلٌ بلحيةٍ شابت من سنين طويلة مرّت عليه، سنين حملت له الكثير من التجارب فكان لها معلّماً و لم تستطع يوماً أن تمتلكه فكان مالكها وملكها….

إنّه هو غبطة الأب وبطريرك إنطاكية و سائر المشرق لطائفة الشهداء والقديسين الموارنة. إلى غبتطته أتوجّه بكلمات تنبع من قلب مؤمن مقاومٍ لبناني، وأقول:
لم تفاجئنا يوماً بتواضعك أيّها السيّد، فبملء إرادتك و بحريّة قلّ مثيلها في العالم تقدّمت باستقالتك من منصب البطريرك فأنت أكثر العالمين أنّ الألقاب لا تدوم أمّا الرجال الحكماء فلطالما تُذكر أسماؤهم في يوميّاتنا.
دعني اليوم أجرح خجلك وتواضعك وأتشرّف بإهدائك ألقاباً نسمعُها، لكن دائماً يبقى فهمنا لها مرتبطاً بحاملها:
– إنك قائد تقود بنا سفينةً حجمها أكبر من وطن، في بحر إذا تركته العواصف لفترةٍ وجيزةٍ حلّ مكانها قراصنة هذا الزمان الذين لم تهبهم يوماً، ها هي سفينتك ترسي على شاطئٍ آمنٍ منتظرةً قائداً جديداً لها.
– إنك راع للخراف التي قلّما كانت تسمع كلامك فتبعد ولطالما كانت تعود إليك خوفاً من ذئاب تهاجمها.
– إنك حكيم في زمن التسلّط، فلم تستطع الظروف الصعبة و أصوات الرصاص أن تسيطر على عقلك الجبّار، فكنت دائماً المنتصر الأكبر.
– إنك موجّه لأمّة أكثر ما تحتاج إليه هو التوجيه، فلحظة يدوّي صوتك في فراغ الخوف يسكت "البهورجيي" ليسمعوك فترتجف قلوبهم الورقية وتتساقط مع كل خريف فتبقى وحدك ربيع لبنان المشرق.
– إنك أب حنون على أولاد شتموه و تهجّموا عليه، فكان خيارك الدائم "إغفر لهم يا أبتاه" و كم من المرّات تخيّلتك في تلك اللّحظات حاملاً إنجيلك متأمّلاً بنص "الإبن الضال" و منتظراً العودة.
– إنك المدير الذي أبى إلاّ أن تكون الكنيسةّ رائدةً في المجتمع وعلى جميع الصعد، فكانت المؤسّسات الكنسيّة التي نفتخر بها ونتناسى من هو بانيها وعقلها المدبّر.
– إنك المهندس الذي صمّم الإستقلال الجديد، فكنت اوّل من تجرّأ و نادى به، منك استوحينا الشجاعة وكانت الثورة على ذواتنا فدعانا التاريخ بثوّار الأرز.
– إنك المقاوم الذي حمل بندقيّة الصلاة، مدفع المحبّة و خنجر الإيمان، فكان نبعاً يرتوي منه المقاومين في الجبال وعلى السواحل ليكملوا مسيرة نضالهم المقدّس، ولو تناسى بعضهم من الصغار يا سيّدي فدماء شهدائنا الذين بكيتهم لن تنسى.

وبعد، إن أردت أن أكمل سيّدي فجميعنا يعلم أنني بذلك سأبني مكتبة ألقابٍ يتعلّم منها الأطفال و كبار الجسد كيف يصيروا رجالاً عظام.

عفوك أيها الأب على كل رمح رميناه على صدرك، عفوك على غدرنا وخيانتنا، عفوك على صمتنا أمام الظلم والظالم، عفوك على أنانيتنا وكبريائنا، عفوك على قلّة إيماننا بربّنا وعفوك على ضمائرنا التي نبيعها إماّ بثلاثين من الفضّة أو بغريزة تحرّكنا.

أخيراً ليس بمقدورنا إنصافك لكننا سنترك ذلك للتاريخ، فيا غبطة الأب مار نصرالله بطرس صفيرشكراً، شكراً لك يا من اعطيت مجد لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل