#adsense

انهياران… على الحساب !

حجم الخط

لم تكن المرّة الأولى التي ينجح فيها "حزب الله" في جعل حلفائه ينخرطون عنه في معارك كلامية فظّة مع خصومه في قوى 14 آذار ويجنبونه بعض التبعات المباشرة لهذه المعارك، لكنه بدا هذه المرّة بارعاً جداً.

ذلك انه في المنحى الجوهري الذي تتخذه حملة 14 آذار على السلاح، لا يمكن المكابرة ان تنجح مهما تجاهل "حزب الله" أثر هذا التطور الذي احدثه فريق لا يزال مع كل ما مني به من ضربات يمثّل أكثر بكثير من "بقايا 14 آذار" كما يحلو للحزب ومنظريه وبعض حلفائه أن ينعتوا خصومهم على سبيل التشفي أو ربما التحقير في مندرجات الخطاب الهجائي الرائج. ولو لم يكن فريق 8 آذار وحلفاؤه الجدد يدركون تأثير هذه الحملة لما أوجب الأمر توزيع أدوار لديهم بين صمت المعني الأول على هجمة الخصوم وانبراء حلفائه الى الانخراط في المعارك الكلامية.

ولكن وبمعزل عن آفاق هذه المنازلة مستقبلاً والحدود التي ستبلغها في رسم مصير الصراع السياسي، تبرز الآن مفارقة لافتة يبدو معها "حزب الله" كأنه يتبع إحدى "تكتيكاته" القتالية في السياسة دافعاً الآخرين الى متاريس الدفاع عن سلاحه مهما تكبدوا من خسائر ذاتية ومحتكراً لنفسه موقع الصمت عن هذه المسألة المحورية ومتصرفاً بالكامل الى معركته مع المحكمة الدولية. وقد أدى هذا "التكتيك" في نتائجه الظرفية المباشرة، على الأقل، الى حرق مبكر عاجل لبقايا أدوار وجسور بين فريقي الأكثرية الجديدة والمعارضة الجديدة بكثير من العداوات والأضرار السياسية والشخصية التي يصعب ترميمها لاحقاً على رغم القاعدة الذهبية التي لا تبقي صداقة دائمة وعداوة دائمة في السياسة.

ولعل أكثر ما ينطبق عليه هذا الواقع الناشئ يتمثّل في التردي السريع، بل في "العدوانية" الطالعة بين قوى 14 آذار وكل من الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط تحديداً. غالباً ما كان رئيس مجلس النواب في موقعه الرسمي والحزبي المزدوج نقطة ارباك لقوى 14 آذار التي ترى فيه جانباً من الشركة المديدة في السلطة وسياساتها بكل وجوهها وخصماً معقولاً لعله الأقرب الى النادي التقليدي في السياسة. مع الواقعة الأخيرة انهارت كل "بقايا" الهيكل العتيق. صار بري على يمين "حزب الله" في تعامله مع "فريق 14 الشهر". واضحت 14 آذار في حلّ من تحفظاتها عن موقعه الرسمي، وهو تطور ينبغي رصده في الآتي من الحقبات، مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، حيث سيكون تكتل من 60 نائباً مناصباً العداء السافر لرئيس المجلس ربما أكثر من "حزب الله" نفسه.

مع النائب جنبلاط يختلف السياق التعبيري وتتمايز الخصوصيات ولو ان احداً لا يتملكه وهم حيال تصاعد الاحتقان الى ذروته بين الزعيم الدرزي وحلفائه السابقين خصوم اليوم. تتعامل قوى 14 آذار مع جنبلاط، حتى اشعار آخر، مثلما يتعامل "حزب الله" مع الحملة على السلاح تماماً. الصمت في الجانبين تمليه حسابات يراد لها عدم تكبير اثر الخصم بالتجاهل. ثمة أكثر من ذلك في التزام أقطاب 14 آذار عدم الانزلاق الى معارك كلامية مع جنبلاط، وهي حسابات متصلة بمراعاة جمهور وقواعد لا تزال قوى المعارضة الجديدة تعتقد أن هواها وتوجهاتها لم تنفصل عن الخط السيادي الأصلي.

ومع ذلك فان الانهيار المزدوج المتسارع لبقايا ما كان بين 14 آذار وكل من بري وجنبلاط يأخذ مداه في اللعبة الداخلية، أكثر منه في "المنحى الاستراتيجي" الأكبر للصراع الذي يبقى فيه "حزب الله" قبلة استهداف خصومه الداخليين، كما هم تماماً محور استهدافاته البعيدة المدى ان بالصمت الراهن وان بشيء آخر لاحقاً. وفي كلا الحالين، هو صراع خطير لأنه لا يبدو من النوع القابل للاحتواء بمجرد تشكيل الحكومة. ولذا ستكون الانهيارات الحاصلة طليعة او قاطرة لسواها ولعل نقطة الخطر المقبلة ستكون في وضع رئاستي الجمهورية والحكومة أمام اختبار ساحق وحاسم بعد استهلاك المواقع السياسية والحزبية الأخرى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل