#adsense

دمشق تكتفي راهناً بأولى مراحل الإنقلاب ولا ترغب اللعب خارج المعادلة العربية: المقاربة السورية للبنان أقرب إلى المراوحة وربما الثبات في الخانة الأولى

حجم الخط

كتب المحلل السياسي في "اللواء": جاءت التسريبات التي أُنزلت على صحف يوم امس متحدثة عن تطورات ايجابية قد تستدعي ولادة الحكومة العتيدة قبل نهاية الاسبوع المقبل، من خارج السياق السياسي العام للتوجهات الحكومية ومفاجئة للكثيرين من الذين يحيطون المشاورات بإهتمام متقدّم. ذلك ان المتابعين لهذا الملف بتشعباته وتفاصيله وجزئياته يعتقدون ان التعقيدات المحلية والدولية لا تزال تشكل عائقا امام استلادة قريبة للحكومة انطلاقا من جملة مؤشرات، ابرزها ان الاتصالات مع رئيس تكتل <الاصلاح والتغيير> النائب العماد ميشال عون الذي تشكل حصته الوزارية العقدة المحلية الابرز (لا الوحيدة) في طريق الحكومة الجديدة لا تزال مقطوعة، على رغم ما أُعلن ويُعلن خلاف ذلك.

اما خارجيا، فالمؤشرات تبدأ من الاقربين، اي من القيادة السورية التي لا يخفى انها تعيش حالا من الانتظار الثقيل لارهاصات ما يحصل في اكثر من نظام عربي، وتواجهها بمزيد من الاصلاحات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من مرسوم العفو عن السجناء السياسيين الى الزيادات المطّردة لكن الدّالة في التقديمات للشرائح ذات الدخل المحدود.

يقول ديبلوماسي غربي في بيروت ان المقاربة السورية للبنان جامدة واقرب الى المراوحة، وربما الثبات في الخانة الاولى التي مهدت لاخراج رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري من السلطة قبل نحو 50 يوما. فالقيادة السورية لم تبادر منذ السادس والعشرين من كانون الثاني في اي خطوة تعني الملف الحكومي اللبناني، ذلك ان حساباتها مختلفة عن تلك العائدة الى قوى الثامن من آذار، وخصوصا العماد عون ووليد جنبلاط، وحتى <حزب الله>. ويظهر ان سوريا غير راغبة راهنا ان تلعب خارج اطار المعادلة العربية ? الاقليمية، وليس في الوارد ان تخرج من <الملعب العربي الكبير> الذي يحوي تناقضات وتفاعلات كثيرة، وربما يخفي مزيدا من الانهيارات النظامية.

ويشير الديبلوماسي الى ان دمشق دفعت حلفاءها في بيروت الى تنفيذ المرحلة الاولى من الانقلاب السياسي التي قضت بإقصاء الحريري من خلال اعادة تركيب التوازنات السياسية والبرلمانية، لكنها لم تندفع بعد نحو المرحلة الثانية التي تعني اعطاء الضوء الاخضر لتشكيل حكومة نجيب ميقاتي في انتظار استحصالها على موافقة اوروبية واميركية عبر تركيا وقطر.

وفي اعتقاد هذا الديبلوماسي ان دمشق كانت تتوقع ان تكون مهمّة تسويق المرحلة الثانية من مشروعها اقل تعقيدا مما صارت عليه بعد مرور 50 يوما على تكليف ميقاتي، لكنها اصطدمت بمجموعة عوائق غير متوقعة، منها تناثر دومينو الاسقاط في ارجاء عربية عدة، وعودة الاهتمام الاميركي الاستثنائي بهذه الرقعة من الشرق بفعل سرعة تهاوي الانظمة الكارتونية، والتغيير في الاستراتيجية الخارجية لفرنسا مع عودة الشيراكي البارز الان جوبيه الى تولي ملفات الكي دورسيه وخروج رجل الاليزيه القوي كلود غيان الى وزارة الداخلية، وهو خروج يراه الديبلوماسي مضرا الى حد ما بالسياسة السورية التي فقدت ابرز داعم لها في الادارة الفرنسية والمهندس الاول لسياسة الانخراط مع سوريا التي كرسها الرئيس نيكولا ساركوزي في بداية رئاسته.

ويرى الديبلوماسي اياه ان دمشق، جرّبت الالتفاف على هذه التعقيدات من خلال تشجيعها بادئ الامر ميقاتي على تشكيل حكومة جامعة تضم مكونات رئيسة في قوى الرابع عشر من آذار، لكن هذا الالتفاف انزلق بفعل مجموعة عوامل، منها ان احدا من عواصم القرار ليس مستعدا في هذه المرحلة التضحية بالمحكمة الدولية او اقلّه المساومة عليها لقاء ثمن بخس، ومنها ايضا ان الرياض التي سبق ان رفعت يدها عن الخوض في اي مبادرة لبنانية جديدة، من لدن الـ س – س او على انقاضها، لا تخفي استياءها من عملية البلف التي تعرّضت لها منذ القمة الثلاثية الشهيرة في قصر بعبدا في نهاية تموز 2010.

ويقول: صحيح ان دمشق افادت من التغيير العربي، وخصوصا المصري، نتيجة استشعارها بأن المواقع المنافسة لها عربيا مرشحة للسقوط الواحد تلو الآخر، ولاعتقادها ان هذا العامل ايجابي تكتي في مصلحتها، وزاد ارباك واشنطن وحوّلها كثيرا عن الاهتمام بالملف اللبناني، لكن الصحيح ايضا ان دمشق ربما تغاضت او فاتها ان هذا الدومينو العربي هو في الاساس صناعة اميركية -وان لم تستطع واشنطن التحكّم في التوقيت- بدأت بعد الحادي عشر من ايلول 2001 مع <رؤيويات> الرئيس جورج دبليو بوش ونظرية نشر الديمقراطية، ونتج منها ربط القرار السياسي الاميركي بمنظمات مدنية ديمقراطية ممولة من الكونغرس، وبات من الصعب جدا على اي رئيس اميركي ايقافها او عكس مفاعيلها. والدليل ان السياسة الاميركية في ظل ادارة باراك اوباما وبعد التقرير الشهير (جيمس بيكر ولي هاملتون) تبدّلت جزئيا واحيانا في اتجاهات معاكسة تماما لسياسة المحافظين الجدد، لكن المنظمات الممولة من الكونغرس بهدف <نشر الديمقراطية الاميركية>، ظلت تعمل حتى انفجرت اكثر من عاصمة عربية، بسرعة لم تتوقعها الولايات المتحدة وربما لم تردها في التوقيت التي حصلت فيه. وتاليا ادى تسارع خطوات التغيير وانتشارها بشكل عمودي، الى ارباك جعل واشنطن مضطرة الى التعامل مع الامر الواقع البديل في تونس، والى فرض التعديلات الدستورية تباعا في مصر بالتعاون مع القيادة العسكرية.

ويعتبر ان الامر في ليبيا مختلف، لكنه شبيه الى حد ما بسوريا. فالعلاقة التي نسجها العقيد معمر القذافي مع رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني ومن خلاله مع الاتحاد الاوروبي، صعّبت التغيير، لكن التطورات وصلت الى حد صار من الصعب عكسها او الرجوع عنها وتغطية ما يسعى اليه النظام. وكان البديل السياسي ان قرر المجتمع الدولي التعامل بإيجابية مع الثوار، لكنه يتلكأ في فرض النهاية بسبب المصالح الاقتصادية التي شبكها القذافي منذ انتقاله من معاداة الغرب الى ممالأته بداية القرن الواحد والعشرين، وبفعل غياب البدائل القادرة على الحسم او على تولي سلطة مركزية قوية تؤمن المصالح الغربية. لكن هذا لا يعني ان المجتمع الدولي لن يكرس تقسيم ليبيا الى 3 دول وفق التوزيع الجغرافي القديم في حال تعذّر العثور على شخصية في استطاعتها ابقاء النظام موحدا.

ويشير الى ان سوريا استخلصت العبر المصرية والتونسية، في مقدمها ان المنطقة ذاهبة نحو البلقنة: تقسيم على البارد كحال تشيكوسلوفاكيا ومن ثم السودان، وآخر على الساخن كليبيا. كما تيّقنت ان المجتمع الدولي اياه لن يتعاطى بعد الدومينو العربي مع انظمة حديدية، ما خلا استثناءات قليلة تفرضها مصالح استراتيجية (نفطية او خلافه)، كما ان لا نظام قادرا في ظل واقع ثورة الاتصالات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والاعلام الموجّه والمحفّز صوب التغيير، على وأد الانتفاضات او الثورات متى تحضّرت لها اللوجستيات اللازمة. لذا ليس من المستغرب ان تخطو القيادة في دمشق خطوة لبنانية الى الوراء، لأن لا مصلحة للنظام للخوض في مواجهة مع الولايات المتحدة الاميركية والمجتمع الدولي كرمى لحلفائه في لبنان.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل