كتب جورج شاهين في "الجمهورية":
توقفت مراجع دبلوماسية اوروبية امام طلب وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال علي الشامي منذ ثلاثة ايام ( في 8 آذار الجاري وعلى هامش لقاء جمعه مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامس) من مندوب لبنان في مجلس الأمن الدولي نواف سلام العمل ما في وسعه، بما فيها الدعوة الرسمية الى عقد اجتماع طارئ للمجموعة العربية في نيويورك، وذلك لغرض حَثها وحشد تأييدها لاعتماد قرار على صعيد مجلس الأمن الدولي، يقضي بفرض حظر جَوي على ليبيا، والتنسيق مع الدول الأخرى في مجلس الأمن من أجل حَثها على قيام المجلس باعتماد قرار كهذا.
وقالت المراجع الدبلوماسية انها تلقت باستغراب هذا الموقف، لما فيه من دلالات دبلوماسية وسياسية في أن يصدر عن وزير خارجية لبنان، وهو من صفوف الأكثرية الجديدة، ومن المقرّبين من حركة امل التي تتقدم ما عداها من حلفائها وحلفاء الحلفاء، في رفض كل أشكال التدخل الخارجي في الشؤون اللبنانية، انطلاقا من اعتبارها ان المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشئت بقرار من مجلس الأمن الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري والجرائم التي تلتها، هي محكمة مسيسة خاضعة لإرادة دولية جامحة، تتحكم بها القوى الدولية ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، كما بالنسبة الى رفضها المبدئي الى ما تسمّيه التدخل الدولي في الكثير من الدول العربية والأفريقية، منذ ان قامت الحروب على العراق وفي افغانستان وبلدان أخرى.
وفي الوقت الذي اعتبرت مصادر وزارة الخارجية اللبنانية ان الطلب جاء في وقته وزمانه المناسبين، وزادت ان الظروف التي تعيشها ليبيا تستدعي مثل هذا القرار الدولي الكبير لوقف العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام الليبي ضد أبناء شعبها ومنشآته النفطية والمدنية والأحياء السكنية، فقد رأت المراجع الأوروبية ان الخطوة جاءت في شكلها وتوقيتها في الاتجاه الدولي المعاكس، في ظل الانقسام الأوروبي والدولي حيال مثل هذه الخطوة، لتتعارض للمرة الأولى مع موقف الولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الأوروبية التي ترفض حتى هذه الساعة فرض اي حظر فوق الأجواء الليبية، ما لم يترافق ذلك مع تحديد آلية تضمن تنفيذه، بما فيها السعي الى استخدام القوة ضد النظام الليبي وزعيمه العقيد معمر القذافي ومكامن القوة لديه.
ولذلك خلصت هذه المصادر الى قراءة متناقضة في الموقف اللبناني، طرفاه الأساسيان رأس الدبلوماسية اللبنانية حاليا من جهة، في مواجهة آراء متعددة يمكن قياسها بحجم الانقسام الداخلي على كل شيء في لبنان. وفي المعلومات ان بعض سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن تريّثوا في قراءة هذا الطلب بالصيغة النهائية، بعدما تبلغوا من مراجع رسمية لبنانية أخرى أجواء ومواقف تتناقض ومضمونه، وتريّث أخرى بانتظار المزيد من الاتصالات لتوفير إجماع لبناني مطلوب حوله، مَنعا لمزيد من الشروخ بين اللبنانيين، في وقت لا مجلس وزراء في لبنان ليجتمع ويقرر منذ الـ 15 من كانون الأول العام الماضي تاريخ انعقاد آخر جلسة لمجلس الوزراء، ووجود حكومة مستقيلة منذ الـ 12 من كانون الثاني مع استقالة وزراء المعارضة السابقة.
ولذلك خلصت المصادر الدبلوماسية لتقول ان موقف وزير الخارجية يشير بوضوح الى خروج بعض الوزراء على الإرادة اللبنانية الجامعة من يوميات السياسة اللبنانية في اكثر من موقع، الأمر الذي يؤدي في الكثير من المناسبات الى جهد مضاعف لاستنتاج موقف لبناني جامع.
وعلى هذه القراءة الدبلوماسية الأوروبية، توقفت مصادر وزارية لبنانية من الأكثرية السابقة، فقالت انها كانت تتمنى موقفا قويا بهذا الحجم من الوزير الشامي، لوقف كل المحاولات الجارية من فريقه لضرب الاتفاقات والبروتوكولات المعقودة بين لبنان والمحكمة الدولية، كما بالنسبة الى القرارات الدولية الأخرى التي شكلت مظلة أمان للبنان في السنوات الـ 6 الماضية.
ورغبت هذه المصادر ومن باب حرصها على تأكيد حرص الوزير الشامي على اهمية حماية علاقات لبنان الدولية وتحصينها، واحترامه لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل خاص، بتذكير الوزير الشامي وفريقه من الأكثرية الجديدة ببعض من مضامين بروتوكولات التعاون مع المحكمة الدولية، ولا سيما منها واحدة وقعت في أيار من العام 2009 بين وزير العدل ابراهيم نجار ومكتب المدعي العام الدولي، والتي تتطابق في مضمونها مع مذكرة التعاون السابقة مع لجنة التحقيق الدولية، والتي نصّت صراحة على ان " تؤمّن النيابة العامة التمييزية والممثلة بالنائب العام لدى محكمة التمييز، وفقا للأصول المقررة في القوانين اللبنانية، حصول التنسيق المناسب، بين مكتب النائب العام في المحكمة الخاصة والوزارات اللبنانية ذات الصلة، والمراجع القضائية اللبنانية والمؤسسات الرسمية الأخرى حسب الضرورة». كما ورد في نصّ المذكرة، ما يشكل ضمانات حول «تقديم كل الوثائق والإفادات والمعلومات المادية والأدلة التي هي بحوزة الأجهزة والإدارات والمؤسسات اللبنانية، في القضايا التي لها صلة بتفويض المحكمة الخاصة بأسرع وقت ممكن، وجمع أي معلومات وأدلة إضافية، حسية وتوثيقية. وتسهيل الوصول إلى ما يتطلبه التحقيق من أمكنة ومواقع وأشخاص ومستندات ذات صلة. وتسهيل إجراء الاجتماعات واللقاءات مع أشخاص من شأنها تمكين المكتب من الحصول على المعلومات والأدلة والإفادات، وكل ما يتطلّبه التحقيق من إجراءات وأعمال تساعد على كشف الجريمة، وذلك في بيئة من الأمان والسرية والهدوء.
وأضافت المصادر ان هناك مذكرة أخرى وقّعها في 17 حزيران من العام 2008 وزير العدل ابراهيم نجار ومسجّل المحكمة روبن فنسنت، أثناء زيارة قام بها إلى بيروت مذكرة تفاهم بشأن مكتبها في لبنان. وفي نصها "تضمن الحكومة للأشخاص المكلفين من مدعي عام المحكمة تمثيله في لبنان، عدم تقييد حريتهم بالدخول والخروج من أراضيها أو التنقّل داخلها، بما في ذلك منح التأشيرات وتصاريح الدخول والخروج، عند الاقتضاء بالصورة المجانية، وبأسرع ما يمكن".
وختمت المصادر لتقول ان حرص وزراة الخارجية اللبنانية على الوضع في ليبيا، لا يجب ان يكون دون المستوى المطلوب والعناية المرغوب بها للوضع في لبنان. فوقوف وزير الخارجية الى جانب زملائه الوزراء من الأكثرية السابقة، وان يكون أقرب الى الحريصين على علاقات لبنان الدولية ومَنع تحوّله دولة مارقة – وفي ما لو صَحّ هذا التوجّه شكلا ومضمونا – كان ينبغي ان يواكبه الوزير الشامي بقرارات وخطوات تثبت هذا "التوجّه العنيد" تجاه الحق الدولي، والحرص على هَيبة المؤسسات الدولية التي يتقدمها مجلس الأمن الدولي، مع القبول بأن تكون المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في ثاني سلم اولويّاته، ليبنى على الشيء مقتضاه.