اللبنانيون انقسموا حول السلاح كما انقسموا حول الوجود العسكري السوري
هل يدفع لبنان كل مرة ثمن خروجه من الوضع الشاذ ؟
قول العماد ميشال عون "إن التخلي عن سلاح المقاومة في الظروف الراهنة يجعلنا معرضين لمخاطر عسكرية وتوطينية في البلاد، وأن الوقت ليس ملائما للتخلي عن السلاح لكن بالتأكيد ما من أحد يتحدث عن أبدية بقائه خارج اطار الدولة"، ذكّر قطبا في قوى 14 آذار بموقف للعماد عون عندما كان في باريس إذ أصر يومذاك على ان يتضمن البيان الذي سيصدر عن "لقاء البريستول" دعوة صريحة لنزع سلاح "حزب الله" شرطا لانضمامه الى هذا اللقاء فكان رد من زاروه لاقناعه بالانضمام الى اللقاء أن هذا الشرط ليس وقته في الظرف الراهن، لكنه لم يقتنع وظل مصرا على رفض وجود أي سلاح خارج الدولة. وكان هذا الموقف بداية تنفيذ خطة لبقائه بعيدا عن قوى 14 آذار وعدم التحالف معها في انتخابات 2005.
وموقوف العماد عون هذا تكرر مع "لقاء قرنة شهوان" اذ رفض الانضمام اليه ما لم يصدر عنه بيان يدعو الى انسحاب القوات السورية من كل لبنان وليس الى اعادة التمركز في البقاع تمهيداً لهذا الانسحاب. وعندما رأى أركان اللقاء ان مثل هذه الدعوة لم يحن وقتها بعد، هاجم عون "لقاء قرنة شهوان" قائلا إن سقفه أعلى بكثير من سقف هذا اللقاء، فكان ذلك سببا للبقاء خارجه ربما تنفيذا للخطة التي كانت قيد الاعداد وذلك للحؤول دون قيام تحالف بينه وبين أركان هذا اللقاء ومن ثم مع قوى 14 آذار لأن هذا التحالف يوحد الصف المسيحي فتصبح خسارة قوى 8 آذار في الانتخابات أكيدة.
وها أن اللبنانيين ينقسمون اليوم حول سلاح "حزب الله" كما انقسموا في الماضي حول الوجود العسكري السوري، فمنهم من كان مع بقاء القوات السورية في لبنان لأن الحاجة الأمنية لا تزال ماسة الى بقائها فصارت عبارة "ضروري وشرعي وموقت" ترد في كل البيانات الوزارية، ومنهم من رأى خلاف ذلك وكان يكرر المطالبة بانسحاب القوات السورية من كل لبنان تنفيذا لما نص عليه اتفاق الطائف أو أقله إعادة تمركز هذه القوات في منطقة البقاع تمهيدا للانسحاب الكامل. وبعد اتفاق الطائف صدر قرار مجلس الامن الرقم 1559 الذي يدعو القوات السورية الى الانسحاب من لبنان، لكن سوريا لم تستجب هذه الدعوة وردت عليها بالتمديد للرئيس اميل لحود ثلاث سنوات علَّ هذا التمديد يضمن وقوف السلطة اللبنانية معها برفض تنفيذ القرار الدولي. ولم تنسحب القوات السورية من لبنان تنفيذا لاتفاق الطائف وللقرار 1559 إلا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وتحت وطأة "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال".
وكما انقسم اللبنانيون حول وجود القوات السورية في لبنان، فانهم ينقسمون الآن حول سلاح "حزب الله". فمنهم من يرى أن وجود هذا السلاح "ضروري وشرعي وموقت" لمواجهة خطر عدوان اسرائيلي محتمل، كما كان الوجود العسكري السوري "ضروري وشرعي وموقت" لحفظ الامن والاستقرار في لبنان باعتبار أن القوات المسلحة للدولة اللبنانية لم تصبح بعد جاهزة لتحمل هذه المسؤولية، ومنهم من يعارض وجود سلاح "حزب الله" خارج الدولة بل في كنفها كي يكون قرار الحرب والسلم للدولة اللبنانية وليس لأي حزب أو جهة خارجية تتخذه حين تقضي مصالحها بذلك وهو ما حصل في حرب تموز 2006 عندما فوجئت الدولة والشعب بها وتحملا العواقب. ومن يؤيد بقاء هذا السلاح في الظرف الراهن يرى أنه يشكل قوة اضافية لقوات الدولة في مواجهة اسرائيل وان تحريكه في الزمان والمكان مختلف عن طبيعة تحريك سلاح الجيش والقوى الامنية. لذا ينبغي ألا تكون الإمرة واحدة. وقد أصبح العماد عون مع هذا الموقف منذ أن انتقل من مكان الى آخر وبعدما كان من أشد المطالبين بتسليم هذا السلاح للدولة او بوضعه في تصرفها في اطار خطة استراتيجية لم يتم الاتفاق حتى على الخطوط العريضة لها لأن "حزب الله" له استراتيجيته وللدولة استراتيجيتها.
وكما أن سوريا كانت ترفض الاجابة عن سؤال: متى تسحب قواتها من لبنان تنفيذا لاتفاق الطائف وللقرار 1559 تقول تارة "عندما تطلب منها الحكومة اللبنانية ذلك". وعندما تطلب الحكومة انسحابها تقول "عندما تطلب السلطة اللبنانية ذلك" باعتبار ان موقفها لن يكون واحدا، وطورا تقول "عندما يطلب الشعب اللبناني ذلك اذا شعرت ان هذه السلطة يمكن ان تتفق على المطالبة بالانسحاب.
ولا يختلف موقف "حزب الله" من سلاحه عن موقف سوريا من وجودها العسكري سابقا في لبنان، هذه تنفيذا للقرار 1559 وذاك تنفيذا للقرار 1701ـ فلا يجيب عن سؤال: متى يتخلى الحزب عن سلاحه، اذ تارة يقول عندما تنسحب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية التي تحتلها، وطورا يقول عندما يتحقق السلام الشامل والعادل في المنطقة وما لا يقوله إلا في مجالسه المغلقة عندما يتم التوصل الى تفاهم مع ايران حول برنامجها النووي… لئلا يؤدي عدم التفاهم الى مواجهة عسكرية بين اسرائيل وايران.
والسؤال الذي يقلق اللبنانيين في انقسامهم حول سلاح "حزب الله" بعد انقسامهم حول الوجود العسكري السوري في لبنان هو: هل تكون كلفة التخلص من هذا السلاح قريبة من كلفة التخلص من الوجود العسكري السوري في لبنان او أكثر، فيكون سببا لحرب أهلية كتلك التي اشعلها الخلاف حول السلاح الفلسطيني، أو يكون سببا لعودة الاغتيالات او لتطبيق الفصل السابع على لبنان اذا لم يتعاون مع المحكمة الدولية؟ وهل كُتب على لبنان ان يدفع كل مرة ثمن وجود السلاح خارج الدولة أو رغما عنها للتخلص منه كي يخرج من الوضع الشاذ؟