غداً يوم جديد. يوم يُشبهكم. يوم يحمل أحلاماً كثيرة تشبهكم. ينتظركم وكأنه ينتظر ملامحه لكي تكتمل. ينتظر أصواتكم لكي يقول. ينتظر عيونكم لكي يرى. ينتظر قاماتكم لكي يمشي، أو يتقدم، طازجاً بهوائه، مضيئاً بنهاره، مُصغياً بحواسه.
إنه يومكم يا أهل 14 آذار، في 13 آذار.
يوم تسيل الطرقات بكم.
ويعبق الهواء بأنفاسكم. هكذا تمتزجون بعناصره، كما يمتزج الهواء بالهواء. الأصوات بالأصوات. الدموع بالدموع. الدماء بالدماء.
تنزلون غداً إلى ساحة الساحات، ساحة الشهداء، شهدائكم، ساحة الحرية، ساحتكم، لكي تتحول أمكنتها كلها، إلى فضاءات، بلا حدود. والحرية كالأمكنة تصبح بلا حدود عندما تمتلئ بأهلها.
غداً، تتحسسون الحرية بأصابعكم، كما تتحسسون الجواهر، والكنوز، وتتحسسون بعيونكم كما تتحسّسون الشوارع التي تصير مدناً، تتحسسون أصواتكم، تحسسكم الشِّعر، تتحسسون وجودكم لحظة لحظة، لتكون اللحظة زمناً، والزمن لحظة، غداً تنزلون والمكان فضاء وخطاكم تقرع المعجزة.
تنزلون غداًَ، لتعيدوا اجتراح المعجزة، التي اجترحتموها قبل ست سنوات، في هذه الساحة بالذات، عندما كان هبوبكم أشبه بهبوب العناصر الغامضة، الدفينة، المكبوتة الحمراء من لون الدم الذي أهرق، دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ودماء الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وبيار الجميل وجبران تويني ووليد عيدو وانطوان غانم وسامر حنا وفرانسوا الحاج.. دماء صنعت تاريخاً آخر، تاريخ الناس الأحياء، الخارجين من العتمة، ومن السجون، ومن القتل ومن الذل ومن الوصايات ومن الاستبداد ومن الدكتاتوريات ومن الفساد ومن العمالة..
تاريخ الناس الذين خرجوا من الأقبية إلى الشمس، بصدورهم وقبضاتهم وأصواتهم وأيامهم وأطفالهم وشبابهم وشيبهم، الناس الذين تلمسّوا وطنهم لكي يشفوه من أدران الطغاة، تلمّسوا بيوتهم لكي يقولوا هذه هي بيوتنا، عانَقوا أشجارَهم لكي يتنفسوا أشجارَهم، طرقوا شوارعهم لكي يحرروها من القهر، والمنع والخوف والغدر، تلمّسوا مسافاتِهم لكي يلتحموا بها ويوحدوها بعدما قسمها اهل القسمة، من وصايات ومن حروب، ومن تقاتل.
إنه تاريخكم، هكذا ستهتفون وليس تواريخ غيركم على أرضكم، تاريخكم من صنع أيديكم، وليس من صنيعة استبداديي الخارج وشذاذ الخارج وغيوب الخارج، وأموات الخارج يمتصون دماءكم لكي يغتذوا بها كمصاصي الدماء، إنه تاريخكم اللبناني العروبي، اللبناني بلا تزمت ولا عنصرية بلا أنظمة دكتاتورية ولا مخابرات، ولا قتلة، تاريخكم تحطُّونه بما أوتيتم من حرية، وبما حلمتم من سيادة، وبما طمحتم من استقلال وبما تقتم من عدالة.
وأي تاريخ هذا لا يصنعه أهلوه، وهل هناك تواريخ "مصنوعة" سلفاًَ، يؤتى بها من هنا وهناك لتكون تواريخكم، وهل هنا تواريخ معلبة تفرضه هذه الوصاية، أو يمليها هذا الاحتلال. تاريخكم منكم. يشبه عيون أطفالكم. يشبه نهاراتكم. ولياليكم. وهمومكم. وقلقكم وصبركم ومستقبلكم. وأي تاريخ لا يشبه ناسا لا يكون تاريخاً: يكون قتلاً وشهادة زور ومصادرة واحتقاراً.
غداّ، تهتفون بكل عروبتكم الحية. الرحبة. المنفتحة برئات كثيرة بعدد الرمال. غداًَ تهتفون بلبنانكم، قلب هذه العروبة وعلى ساحة الساحات، المساحة اللبنانية التي ولدت فيها العروبة الديموقراطية من جديد، وانتشرت على كل الميادين والساحات العربية من شارع بورقيبة في تونس، إلى ميدان التحرير في القاهرة، إلى ساحة الحرية في طرابلس، وإلى دوارة اللؤلؤة في البحرين…
غداً تهتفون بكل ذرة من تراب أرضكم: إنها أرضنا. بكل هبّة هواء: انه هواؤنا. بكل قرية من قراكم: إنها قُرانا. بكل مدينة من مدنكم: إنها مدننا. وهل هناك أرضٌ في وطنكم لا تكون أرضكم. أو ذرة تراب لا تكون لكم؟
غداً، تحملون علمكم اللبناني وتحلمونه. فالعَلَمَ حُلم. أكثر من ألوان. وشارات. إنه روح. إنه طريق. إنه عناصر. إنه أجساد. وقلوب. وكلمات وصمت.
وهل هناك علم لبناني لا يكون لبنانياً. وهل يكون في لبنان علم يعلو علمكم؟ يرفرف غداً في عيونكم. أنقى من الثلج. وأعلى من كل القمم والرايات والجبال. وأيّ جبل في بلادكم يمكن أن يكون أعلى من علمكم. وأي انسان في وطنكم أعلى من وطنكم. وأي انسان هذا يستبدل علم بلادكم بأعلام أخرى، وأي رجل هذا يقيس هامته الصغيرة بهامة علمه!
غداً، تقولون مضى زمن السلاح القاهر. السلاح الحزبي الكانتوني. السلاح الذي يوجه إليكم كما يوجه إلى العدو، سلاح الصغار أو الجبناء، يرفع على الأبرياء والعزل.
غداً، تقولون، وكما انهارت قَبب المحاكم البوليسية، والقمعية، امام زحف الشباب في القاهرة وتونس وليبيا، ها هي أقبية محاكم التفتيش ستنهار، وسترتفع العدالة على أنقاضها، وهل هناك بلاد عدالتها في البندقية، وقضاتها من القتلة، ومحاموها من المرتزقة، وأحزابها من الميليشيات؟
غداً، تهتفون بلحمكم ودمكم وأيديكم وحناجركم وتقولون: ولىّ زمن أن نكون ورقة في جيب هذا المستبد، أو ذاك المرشد، أو خريطة يرسمها هذا الطاغية أو ذاك العهد أو قطعاناً تساق بالعصي، او بالمدافع، أو بالعنف، أو بالتهديد، أو بالتخوين، أو بالارهاب،
غداً، تقولون لصُنّاع الرعب، ذوي الأصابع المعدنية المشهورة، ولىّ زمن الرعب، وتحطمت جدران الخوف، وفاضت الأرض بناسها واحداً في كلّ، وكلاً في واحد، كمياه الأنهر والغيوم والأنفاس والأصوات،
غداً، ترون بأمهات عيونكم شروشكم العميقة تطلع من أكفكم، وما اجمل الشروش التي تطلع من ظلمتها الحية وإلى نهاراتها الخصبة،
غداً، ترون شروشكم امامكم تمتد في كل الجهات وفي كل المدن، والطرقات، تقودكم إلى ساحة الحرية وهل هناك شروش لا تقود إلى ساحات الحرية.
غداّ، تنبشون أعمق ما في ذواتكم، من تذكارات وأجملها، وتقولون ها هي، تذكاراتنا صارت ملكنا،
غداّ، تنبشون أعمق ما في مخيلاتكم وأجملها وتقولون ها هي مخيلاتنا صارت تشبه أصابعنا، وخطانا وحقائقنا المفتوحة.
غداّ، تهتفون، ها نحن الحاضر والمستقبل والعصر والانفتاح، والتقدم والتنوير، فكيف نتنكر اليوم، وقد صغنا كل هذا للساحات العربية، كيف لا نكون غداً مجدداً رواد الساحات السحرية، من أجل الحرية، والعدالة، وكيف يتفجر العالم العربي حولنا، متأثراً بنا ونحن نتخلَّف عن الركب؟
كيف اسقطت الثورات العربية المدنية الحكومات البائدة والمفروضة ونتخلف نحن، كيف تكون لنا حياة إذا عدنا إلى ما كان يسمى عهود الأنظمة الأمنية والوصايات والمجرمين والنهّابين والبلطجية واللصوص والعملاء، أنعود أمواتاً وقد عدنا إلى الحياة في 14 آذار 2005.
أنعود شهود زور في وطننا وقد انتفضنا من أجل الحقيقة في 14 آذار 2005.
أنعود أذلاء على أيدي هذه الوصاية أو تلك بعدما ثرنا لكرامتنا في 14 آذار 2005.
أنعود بلا هوية وطنية لبنانية عربية بعدما رفعنا علماً لبنانياً يحمل فيه كل ألوان العروبة في 14 آذار 2005؟
ستهتفون: لا! الوراء هو الموت.
والتقهقر هو الهاوية. والخوف هو الهزيمة. والسكوت على ضرب العدالة والمحكمة مشاركة في القتل وتواطؤ مع القتلة وخيانة للشهداء.
ستهتفون غداً: هذا غدنا!
ستهتفون غداً: هذا يومنا. وكيف لا يصنع يومٌ واحدٌ زمناً أو وطناً أو آتياً.
ستقولون غداً: هذا غدنا! غداً الدولة الواحدة الجامعة لا الدويلة الكانتونية، غداً الوحدة لا التقسيم المذهبي.
غداً اليوم الذي يتحول الشارع (الذي حررتموه بعدما كان محرماً على اللبنانيين أيام الوصايات)، مدينة والمدينة ساحة والساحة مُدُناً والأصوات طرقات والأطفال أشجاراً والحرية حريات، لا يحدُّها سلاح غادر، ولا مرشد طاغٍ ولا مستبد ولا عدو بلبوس الصديق، ولا صديق بلبوس القاتل،
إنه يوم لبنان غداً. لبناننكم لا لبنانهم… يوم لبنان المنتصر على المرتزقة، والكَذَبَة والمنافقين والقتلة، الذين، بوجودهم غير الشرعي، الكانتوني، ينفون لبنان، يجعلونه على شاكلتهم، مأوى الارهاب، والقمع والاستكبار والقوة العمياء والغلبة الخارجية،
غداً، يوم الأحد. وكأنه كل الأيام، غداً 13 آذار وكأنه كل الشهور، غداً الشهر وكأنه كل السنوات،
ذلك، انكم أيها المُؤمّون الساحات غداً، انتم لبنان الآخر، دروعه، وقلاعه والمدافعون عن قيمه الانسانية والاجتماعية والفردية وفي وجه التوتاليتارية المذهبية والاستبدادية الجمهورية، ذلك انكم أيها المؤمّون غداً ساحة الشهداء لن يكون في قلوبكم ضغينة، ولا كراهية، ولا ثقافة، موت وموتى (الموتى وحدهم يحملون السلاح ليقتلوا الأحياء)، ولا ثأر ولا عنف، لأنكم ستقولون لمن ليس في ضفتكم من الناس بقوة التضليل. نحن شعب واحد، وسبق أن ضلّ بعضنا الطريق بحمله سلاحاً فئوياً، وبانخراطه في حروب الميليشيات، لكن صحونا، اليوم، بعدما خسرنا وخسر معنا لبنان، صحونا اليوم، كما نتمنى أن تصحوا معنا، وتنتفضوا على السلاح الموجه إلى صدور أهلكم في 14 آذار، والذي لن يوفركم غداً، واسألوا التاريخ تعرفوا… (واسألوا النظام الإيراني تعرفوا، واسألوا المعارضة الإيرانية تعرفوا ان نظام الولي الفقيه يوجه نيرانه إلى أهله المنتسبين إلى الثورة الإسلامية نفسها!، اسألوا الميليشيات الطائفية والمذهبية كيف قمعت أهلها وارتكبت المجازر بحقهم، قبل أن تتوجه إلى الطوائف الأخرى. اسألوا الميليشيات الأخرى وميليشياتكم تعرفوا، ان كل سلاح غير شرعي لا يوفر لا صديقاً ولا شريكاً ولا رفيقاً ولا أخاً ولا أباً ولا أختاً.. انه السلاح الأعمى الأصم الذي ان لم نواجهه فسيقضي عليكم أيها الذين يهللون له اليوم، قبل أن يصيب الآخرين.
غداً، يوم النبل. يوم الوفاء. يوم التدارك. يوم العودة. يوم غضب ضد السلاح المفلت من عقاله بأيدي المجانين، يوم غضب ضد احتقار دم الشهداء، يوم العدالة العالية، يوم دعم المحكمة..
إنه يوم الشهداء، ينتظرونكم، لكي تكون أرواحهم معكم،
إنه يوم الأحياء الذين سيحسون غداً بحيواتهم أكثر، وبوجودهم أكثر، وبأحلامهم أكثر، وبنضالهم أكثر، من اجل الحرية، والديموقراطية، والحقيقة، والعدالة، والكرامة…
إنه اليوم الذي يختزل عُمراً.. كاملاً!