لم ينتظر "حزب الله" تنفيذ فرع المعلومات اعتقال الضبّاط الأربعة كي يتوجّس عمل هذا الفرع كجهاز أمن مستقلّ خارج عن سيطرته ومراقبته.
فخطيئة هذا الفرع، في نظر حزب الله يومها، لم تكن مخالفته القانون عبر توسيع عديده بالضباط والأفراد فقط، بل تمثلت بأنّ النواة الأساسية للضباط الذين أسسوا فرع المعلومات بقيت بعيدة من الاختراق، والدليل الى ذلك أنّ "حزب الله" لم يتمكّن من الاعتلام المسبق لقرار وقف الضباط، واستلزم الأمر أكثر من ساعة من الزمن لشيوع الخبر. وهذا الوقت يعد كبيرا في عالم الأمن.
ومنذ نشوء فرع المعلومات كجهاز أمني فاعل، بدأت مواجهة مبكرة بينه وبين "حزب الله". وقد اتخذت هذه المواجهة أشكالا متعددة، لكنّها بقيت محصورة في السنتين الأوليين بحملات اعلامية مكثّفة استهدفت أعلى الهرم في قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ورئيس فرع المعلومات السابق العقيد سمير شحادة واللاحق العقيد وسام الحسن. ولكن على رغم ذلك وجد الحزب نفسه أمام أمر واقع، ففتح باب التنسيق العَمَلاني وأصبح مسؤول التنسيق والارتباط في الحزب الحاج وفيق صفا زائرا لمقرّ قوى الأمن الداخلي كلما دعت الحاجة.
ولقد شكلت الأحداث الأمنية الكبرى التي حصلت في السنوات الست الماضية معيارا لوصف تطور الأمور، وكانت البداية الحقيقية لفرع المعلومات في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إذ تمكّن الرائد وسام عيد من إحداث اختراق في تحليل شبكة الاتصالات وضِع في تصرف لجنة التحقيق الدولية، وذلك اعتمادا على تجهيزات متطوّرة تم تعزيز هذا الفرع بها، ومكّنته من كشف منفّذي جريمة عين علق ومن ثم دهم "الشقق الآمنة" لـ"فتح الإسلام" في شارع المئتين في طرابلس، هذا الكشف الذي مهد للجيش اللبناني لكي يُجهز لاحقا على "فتح الإسلام" في مخيّم نهر البارد، متجاوزا "الخط الأحمر" الذي رسمه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله.
واذا كانت قيادة قوى الأمن الداخلي قد استطاعت في السنوات الثلاث الأُوَل من تأسيس فرع المعلومات أن تثبت أنّ هذا الجهاز أصبح قادرا على فهم ما يجري على الأرض، من خلال الاستعلام واستخدام الأمن الوقائي وتأمين الحماية للشخصيات السياسية، فإنّ السنوات الثلاث التالية شكلت ما يمكن وصفه بـ"القفزة النوعية"، من خلال فتح ملف التجسّس وتفكيك الشبكات الإسرائيلية، وقد تجاوز عددها 23 شبكة منظمة، بعضها نفّذ مهمات خطرة لجهاز "الموساد"، وكان أبرزها شبكة اغتيال القيادي في "حزب الله" غالب عوالي، وشبكة أديب العلم. واضطر "حزب الله" في هذه المرحلة الى تغيير شكل المواجهة مع هذا الفرع، لتصبح أقرب إلى الإشادة المتحفّظة الموقتة التي تخللها انفتاح إعلام الحزب على قوى الأمن، وظهور ريفي بالصوت على قناة "المنار".
وإذا كان سِجِلّ هذه المواجهة قد رسم أعلى درجات الاستهداف إبّان تولّي حكومات 14 آذار السلطة، ووصلت الى حد تكليف وزير الاتصالات جبران باسيل عدم تزويد فرع المعلومات الـ "database"، وهي إحدى ركائز اختراق شبكات التجسس، كما تمثلت بشنّ حملة على قيادة قوى الأمن بسبب بروتوكول التدريب الموقَّع مع الولايات المتحدة الأميركية، فإنّ "حزب الله" وحلفاءه، ولا سيما منهم رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، باتوا يعتقدون أنّ الوقت قد حان لتصفية الحساب مع فرع المعلومات، وتحديدا مع ريفي والحسن وبعض الضباط الأساسيين داخل الجهاز.
وفي المعلومات أن قيادة "حزب الله" تدرس خيارين، وتطمح إلى وضعهما قيد التنفيذ بعد تأليف الحكومة: الأول، ثأري يؤيّد فكرة حل الجهاز عن بكرة أبيه، وإعادة عديده الى الحجم الأصلي، اي اختزاله من 2500 ضابط وعنصر الى نحو مئة عنصر، وأصحاب هذا الرأي يرون أن بقاء هذا الجهاز يشكل خطرا يجب التخلّص منه كي لا يعود في الإمكان إحياؤه مستقبلا. والثاني، براغماتي، وهو يؤيد اعادة تشكيل قيادة الفرع وضباطه وابقائه والاستفادة منه ومن الخبرات التي راكمها. وبالطبع، فإنّ هذين الخيارين يلتقيان عند هدف نقل فرع المعلومات من مكان الى آخر، وحرمان قوى 14 آذار من أداة أمنية طالما استطاعت تحقيق توازن، وإن غير متكافئ مع "حزب الله" وحلفائه على الأرض. لكنّ السؤال بالنسبة إلى احتمال حل فرع المعلومات سيكون جوابه عند رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الذي سيكون أمام امتحان صعب، وخصوصا أنه التزم في الأيام الأولى لتكليفه عدم التعرض لريفي، مذكّرا بأنه هو مَن عيّنه مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي العام 2005. وإضافة الى هذا الالتزام، فإنّ اعتبارات عدّة قد تُصعِّب في إمكان قبول ميقاتي خطة "حزب الله" إقالة ريفي، أهمها أن "ابن مدينته" بات يحظى بشعبية طرابلسية، من غير المستحسن استثارتها انتخابيا أو سياسيا. ومن الاعتبارات المهمّة ايضا، أنّ ميقاتي يدرك المكانة التي حظيت بها مؤسسة قوى الأمن الداخلي في غضون السنوات الست الماضية على الصعيدين العربي والدولي كجهاز أمني فاعل وموثوق، ويدرك أنّ التعرّض لهذه المؤسسة سيكون أيضا أحد الملفات التي ستوضع تحت المجهر الدولي، أسوة بملفّي المحكمة وسلاح "حزب الله".
وفي المحصلة، فإن التواصل بين ميقاتي وريفي مستمرّ، وهذا التواصل يمكن أن يكون صمّام أمان لمؤسسة قوى الأمن الداخلي. ولكن، إذا صحّت المعلومات بأنّ أحد الخيارات أمام "حزب الله" وحلفائه سيكون حصر المعركة مع فرع المعلومات ورئيسه الحسن، وإرضاء ميقاتي عبر تحييد ريفي وإبقائه في موقعه، فإنّ مفاجأة لن تفاجئ أحدا، ستتمثل بقيام ريفي بربط استمراره في موقعه بعدم "الدق" بفرع المعلومات (ورئيسه) الذي يعتبره أساسا لكل ما حققه من انجازات في مؤسسة قوى الأمن، وعندها ربما يصبح ميقاتي أمام القرار الأصعب، والامتحان الأصعب…