من صباح السبت وحتى مساء الأحد – ومن دون أي نقاش – لن يعلو صوت على صوت اللأ ضد السلاح عنوانا رئيسا ومتقدما على الملفّات الأخرى، حكومية كانت أم سياسية عامة أم وطنية، كما أرادت المعارضة الجديدة التي استكملت كامل تحضيراتها اللوجستية والشعبية لليوم الكبير كما تريده وتعمل له.
وماذا بعد، لنفترض أنّ يوم الثالث عشر عبر بهدوء كما يريد الداعون إليه والمنظمون وقادة الأجهزة الأمنية الذين رفعوا من نسبة استنفار كامل القوى الأمنية لمراقبة، ليس بيروت ومداخلها فحسب، بل ان التدابير الأمنية الاستثنائية شملت كلّ لبنان من أقصى بقاعه إلى عمق بيروت ومن أقصى جنوبه إلى أقصى الشمال.
لنفترض أننا في صباح اليوم الرابع عشر من آذار كيف يمكن أن نتصوّر الوضع؟ وما هي السيناريوهات المرتقبة؟ وهل هناك مَن هو قادر على رسم خريطة الطريق إلى ما بعد 13 آذار؟
أقرب السيناريوهات إلى منطق الأمور يتحدث عن مواجهة طاحنة بين جبلين واحد تعتليه المعارضة وآخر الموالاة الجديدتين، وكل منهما يعدّ العدّة للأيام المقبلة وعلى كلّ المستويات، من أجل مواجهة ستأخذ أبعادا مختلفة على المديين القصير والبعيد.
على المدى القصير، لن تقف قوى "8 آذار" بعد 13 منه عند مشروع اللافتات الإعلانية التي رفعتها على ما تبقى من اللوحات الإعلانية في بيروت والمناطق التي رفعت اللاآت كلها موجهة اتهاما كبيرا – من باب التخوين المتمادي لكلّ رأي آخر – وتحديدا إلى قوى الرابع عشر من آذار وكل مَن سيشاركهم النزول إلى الشارع من حلفاء وأصدقاء لتقول لهم أنتم وإسرائيل تريدان إنهاء سلاح المقاومة وتعطيل دوره. ولتقول أيضا أن نصف الشعب اللبناني الذي لن يلاقيكم إلى ساحة الحرية ومحيطها والمعابر المؤدية إليها لأنه لا يشارككم الرأي باللأ لسلاح الغدر والكذب والخيانة والخوف… وإنّ هذا النصف لا يريد إنهاء دور السلاح، لا بل يريد أن يرفع من قدراته وجهوزيته إلى جانب جيشه وشعبه…
وقوى "14 آذار" التي قالت كلمتها من لقاء البريستول الخميس في وثيقتها السياسية الشاملة، جنّدت وستجنّد في الساعات المقبلة كامل طاقاتها السياسية والإعلامية واللوجستية لجمع أكثر من مليون لبناني في ساحة الحرية من كل لبنان ومن جبله خصوصا، في محاولة لاستذكار 14 آذار 2005 لئلا ينسى اللبنانيون ما فعله مليون ونصف مليون لبناني على مختلف المستويات في الداخل والخارج. ولتقول لا لحمَلة السلاح غير الشرعي اللبناني كما الفلسطيني في المخيمات وخارجها وكل مناطق لبنان، بعدما كانت تغضّ الطرف عن ما كانت وُجهته العدو الإسرائيلي. وإنها لن تساوم بعد اليوم ولن تعيد الكرة بحلف رباعي أو خماسي انتخابي، ولن تقبل بـ 7 أو 11 أيار جديد، ولا بما يشبه ما شهدته برج أبو حيدر، ولن تقبل بما يشبه اتفاقية الدوحة، إلى آخر المحطات التي يحاسبها بها جمهورها اليوم. وهو حساب مفتوح منذ فترة، لكنه كان مغلفا بحكومة سمّيت "حكومة الشراكة والوحدة الوطنية".
وأمام هذه المعادلة التي تختصر مجريات يومي 12 و13 آذار وحسب، كيف سيكون الوضع بدءا من 14 منه؟ بالتأكيد سيكون يوما آخر!…
مع ساعات الصباح الأولى من الإثنين 14 آذار ستنصرف "8 آذار" للتحرّك في اتجاه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، وستكون إلى جانبه لتعبر عن استعداداتها لإسقاط مسلسل شروطها التعجيزية، والبحث في تشكيل الحكومة الجديدة ولتكون على استعداد قولا وفعلا هذه المرة للتراجع عن الكثير من شروطها لتسهيل مهمته. وإن لم يقصدها الرئيس المكلف كما هو متوقع ستطلب منه المواعيد ليومي الثلثاء والأربعاء المقبلين، وسيكون أبرزها اللقاءات المرتقبة ما بين الرؤساء ميقاتي وبري وعون والنائب وليد جنبلاط، وما بين الموفدين المعتمدين في الظل ما بين فردان والضاحية الجنوبية وعين التينة وكليمنصو للبحث في أدق تفاصيل التشكيلة الحكومية التي أشبعت درسا بما ستحويه من مشاريع في اتجاه تفسير جديد يوسع من عدد الحقائب السيادية والخدماتية، وابتداع أسماء الوزراء الجدد الذين يرضون مختلف الأطراف، حيث الخلافات باتت تتحكم ببعض الحقائب والبدء بإنزال الأسماء عليها ابتداء من يوم الأربعاء المقبل، ولن توفر خطوة مطلوبة لتوليد الحكومة الجديدة في مهلة أقصاها نهاية الأسبوع المقبل.
تزامنا، يستعدّ فريق "14 آذار" لإطلاق هيكليته الجديدة والمؤسسات واللجان الملحقة بها في ورشة سياسية ونيابية وإدارية وحزبية لا مثيل لها. وستكون الهيئة القيادية على موعد جديد لإطلاق العمل في مؤسساتها الجديدة من كتلة نوّابها الستين إلى المنسقية العامة وصولا إلى هيئتها العامة، استعدادا لمواكبة المرحلة التي تلي اليوم الشعبي الكبير، وتحضيرا لمعارضة شرسة ستجند لها كل القدرات السياسية والشعبية والمادية وعلى كل المستويات، من خط التوتر العالي في المنصورية إلى ملفات الدين العام والمحروقات، وصولا إلى مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إلى شكل العلاقات التي تهدد مناعة لبنان في مواجهة القرار الظني للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إلى باقي مؤسسات المجتمع الدولي برمّته. وكل ذلك من أجل مخاطبة الداخل او الخارج بمخاطر ما أنتجه الانقلاب المغلف بالمراحل والخطوات الدستورية.
ولهذه المرحلة الجديدة عدّتها وأدواتها ووسائلها، فعلى مستوى الأكثرية الجديدة ستكون على موعد مع التسويق لانتصارها الحكومي. ستتقاسم مقاعدها الثلاثينية بعشرة مقاعد لتكتل الإصلاح والتغيير بما فيها حصة الأرمن وتيار المردة، وبحصّة جنبلاطية كبيرة تتجاوز حجم كتلة جبهة النضال الوطني عددا وبكل المقاييس الأخرى، وسيكون للرئيس نبيه بري حصة الأسد الوزارية الشيعية بثلاثة مقاعد إن لم تكن أربعة، وستتمثل الأحزاب الحليفة لسوريا بشكل من الأشكال، وستحفظ حصتان متواضعتان لكل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس ميقاتي، في ما سيكون "حزب الله" أكثر تواضعا مما يعتقده أحد، وقد يكون له وزير واحد من لون "حزبي فاقع" وقد لا يكون له أحد من هذا الصنف، طالما أنه يخشى بوعي كبير الصفة التي لازمت الحكومة العتيدة منذ تكليف الرئيس ميقاتي تشكيلها بالقول إنها حكومة "حزب الله" يديرها الرئيس ميقاتي بالنيابة عنه.
ومن موقعها الحكومي الجديد، ستنتقل قوى "8 آذار" إلى مرحلة صياغة البيان الوزاري الجديد مع ما ستحمله هذه المرحلة من مخاطر استخدام اللغة الخشبية في التعاطي مع المحكمة الخاصة بلبنان إلى المجتمع الدولي، ومنهما في اتجاه الاستحقاقات المقبلة على لبنان والمنطقة. ومن دون أن تعرف طريقة تعاطيها مع الحقائق التي أنتجتها الانتفاضات الشعبية في العالم، والتعاطي من دون عازل مع العالم الغربي وحضاراته وصولا إلى البحث عن صيغ تعزز الديموقراطية التي افتقدتها لعقود من الزمن.
وعليه تتزاحم الأسئلة ومعها المخاوف من أن تكون كل هذه المحطات المرتقبة مناسبات لمواجهات محلية وخارجية من دون أن يتكهن أحدهم بما ستكون عليه صورة لبنان في الداخل والخارج.
فعلى المستوى الداخلي، هل سيكون بقدرة حكومة الرئيس ميقاتي اتخاذ مثل هذه الخيارات الكبيرة التي ستضعها في مواجهة معارضة داخلية شرسة تستند في ما خصّ توجهات رئيس الحكومة إلى ثوابت دار الفتوى، وفي ما خصّ الحياة البرلمانية إلى البريستول النيابي، وعلى المستوى الحزبي إلى المدّ الآذاري لقوى مسيحية سيظهر حجم تمثيلها في ساحة الشهداء غدا، وعلى المستوى الرسمي مع رئاسة الجمهورية التي رفعت لواء الوسطية التوافقية واحتفاظها قدر الإمكان بالموقع الذي أبقى رئيس الجمهورية على مسافة واحدة من كل اللبنانيين.
أما على المستوى الخارجي، فهل سيكون بقدرة هذه المجموعة الأكثرية بكل قواها الحكومية ان تواجه ما سيكون عليه القرار الظني في وقت يقول فيه رجال القانون والدستور بأن بروتوكولات التعاون بين لبنان والمحكمة جعلت الحكومة إحدى الأدوات الأساسية لتنفيذ القرار الظني؟ وهل سيكون بقدرة هؤلاء جميعا أن يواجهوا مجتمعا دوليا لم يوفر الأميركيون والأوروبيون وغيرهم وسيلة للتأكيد على التزامات لبنان مع المحكمة والمجتمع الدولي لما سيكون على الخروج عنهما من مترتبات لا يستطيع لبنان تحمّل تبعاتها الخطيرة على كل المستويات؟
والأبعد من ذلك، فهل إن القوى الإقليمية والدولية التي تستند إلى دعمها المطلق القدرة على الصمود في مواجهة تحولات المنطقة، وهل ستبقى في منأى عن التحولات التي جرت في أنظمة شبيهة لها فقلبتها بين أسبوع وآخر؟
بالتأكيد لن يقدر احد على الردّ الحاسم والجازم على مثل هذه الأسئلة الكبيرة لأنّ الأيام المقبلة هي الكفيلة وحدها بتوفير الأجوبة عنها؟