كتبت فيفيان عادل طنّوس في صحيفة "الجمهوريّة":
على رغم أن هذه الظاهرة قديمة، فإنها فرضت نفسها، على ما يبدو، صيغة جديدة للعلاقة بين الجنسين بعد قرون طويلة من هيمنة الاحتمال الوحيد الذي كان ممكنا وهو الزواج.
ولأن المساكنة غريبة بعض الشيء في مجتمعنا اللبناني، ولا تحمل أي صيغة قانونية، وُضعت علامات الاستفهام: كيف يمكن أن تكون ملامح هذه الحياة التي يعيشها شاب وفتاة تحت سقف واحد من دون أن يربط بينهما الزواج؟ هل يحقق هذا النوع من الارتباط متطلبات كل منهما، أم أن هناك مزيدا من الاحتياجات التي لا يمكن تأمينها إلا عبر مؤسسة الزواج. ما السبب الرئيس الذي يدفع الشبان والشابات إلى مثل هذا النوع من الارتباط؟ هل هو الجنس أم الرغبة في كسر الموروث والثورة على عادات المجتمع؟ وإذا كان الجنس هو الرابط، فإلى متى يمكنه أن يحافظ على ديمومته عامل ربط بين الطرفين؟ وهل تنتهي المساكنة عندما يفقد الجنس بريقه ويبدأ كل منهما في البحث عن شريك جديد؟ هل يكون الحب هو أحد الأسباب التي تدفع في اتجاه المساكنة؟ وهل تؤسس المساكنة لحياة زوجية مستقبلية ناجحة أم أنها تحطم فكرة العائلة؟
بعضهم يعتقد أنّ هذه الظاهرة تعبر عن تغيير جذري في نظرة الشباب إلى مؤسسة الزواج في حد ذاتها، وإلى سلّم القيم الذي يحكم العلاقة بين شخصين، فتجسد ترجمة لانقلاب فعلي على هذه القيم السائدة، بغضّ النظرهل كنا معها أم ضدها.
التقاء إرادتين
المعلومات المتداولة عن مفهوم المساكنة هي أنها "عقد بين ذكر وأنثى عازبين يلتزمان من خلاله العيش المشترك تحت سقف واحد. وهي لقاء إرادتين كأي عقد آخر، لذلك يشترط أن يكون طرفا العقد بلغا السن القانونية، وإذا لم تتوافر الأهلية أو شروط الإرادة الصحيحة في الطرفين، فإن العقد يكون باطلا وغير صحيح. وفي حال البطلان قد تشكل المساكنة جرما جزائيا يعاقَب عليه، كالخطف أو الاغتصاب أو فضّ البكارة وغيرها من الجرائم التي قد تتوافر أركانها".
أسباب بعيدة عن الواقع
وبعيدا من الخوض في البحث عن الأسباب التي أدّت إلى نشوء هذه الظاهرة في المجتمع التقليدي، فإن بعض أسبابها، وعلى خلاف ما يجري تداوله، لا تكمن فقط في الوضع المادي المتردي والصعوبة التي يواجهها الشبان في تأمين متطلبات الزواج، ومنها المسكن، وبالتالي لا يمكن أن يكون العجز عن تأمين المسكن سببا مقنعا في المساكنة التي تحتاج أيضا إلى مسكن مشترك. أمّا الاسباب الاقرب الى الواقع فهي:
ـ تنظيم المجتمعات على أساس أن الفرد لم يعد في حاجة إلى الاهل كي يحمي نفسه ويضمن حقوقه.
ـ تأثير ظهور الفلسفة الوجودية والفكر الوجودي في هذه المجتمعات، إذ أصبح الفرد يعيش لذاته، وغاب مفهوم التعايش والتضحية وحل محله مفهوم البحث عن الملذات.
نتائج تائهة
في الخوض العميق والبحث الدقيق في هذا الموضوع، ومن خلال احصاء شريحة من المجتمع اللبناني كانت النتائج كالآتي:
ـ 28 % من اللبنانيين غيرالمتزوجين يعيشون بعضهم مع بعض تحت سقف واحد.
ـ 18 % يؤيدون فكرة المساكنة و82 % يعارضونها، بينما 75 % اعتبرها مناقضة للزواج و25 % ممهدة له.
أمّا الاجابة عن اعتبارهم أنّ المساكنة تقوي علاقة الثنائي أو تحطم فكرة العائلة؟ فجاءت على الشكل الآتي: 77 % اعتبروا انها تحطم فكرة العائلة و23 % توطد علاقة الثنائي.
أما عن الأسباب التي تجعل الناس في خانة الرفض، فقد تبين أنّ 48 % لأسباب أخلاقية، 46 % لأسباب دينية، و12 % لأسباب عائلية.
صورة محترمة
حاول أصدقاء كثيرون إقناع فؤاد (28 عاما) وندى (24 عاما) بالرجوع عن فكرة الانتقال للسكن معا خارج إطار الزواج، "لم نشعر بأننا مؤهلان حاليا لعلاقة زواج وبناء أسرة كاملة، فضّلنا السكن مع بعضنا، والتعامل كأي زوجين عاديين، ليستكمل كلٌ منا اكتشاف الآخر وفهمه، وتقييم مدى القدرة على تقبل علاقة رسمية طويلة الأمد، قبل الوقوع في قفص "الزواج الذي لا رجوع فيه". يبتسم فؤاد ويكمل "أهلنا بعيدون قليلا من الجو الديني، لذا لم يعارضوا علاقتنا"، وتتدخل ندى، لتشرح كيف سمحت لها استقلاليتها المادية باتخاذ هذا القرار وفرضه على أهلها الذين تحترم رأيهم بعد أن عارضوها بحجة الصيت ونظرة الآخرين: "أحترم رأيهم، ولا شيء يجبرني على التزامه. وأتمنّى أن تنجح التجربة، فهي ستتكلل بالزواج عندما نتأكد من صوابية خيارنا".
أمّا فؤاد فيبدو متفائلا بما يخص النظرة الاجتماعية "ساندنا الجميع، على رغم الحذر والملاحظات التي سمعناها عند طرح الفكرة في بادئ الأمر. لكن الأمر الواقع ونجاح التجربة، والاحترام المتبادل بيننا، جعلنا نقدم صورة محترمة عن المساكنة".
علاقة عاطفية طبيعية
ثمة تجربة أخرى، إذ يسكن طوني (32 عاما) وكارن (30 عاما)، متمردين على قوانين الزواج منذ عامين، رزقا طفلا نُسب بحسب القانون إلى الأم. "عندما رفض أهلنا مشروع ارتباطنا، كان قرارنا العيش معا خارج التقاليد البالية"، تقول الفتاة، "علاقتنا هي قرار شخصي وفردي، ولنا حرية الاختيار. لذا، لا يحق لأي كان أن ينتقدنا عليها"، أما عن الأهل، "فأهلا وسهلا بهم إذا أحبوا زيارتنا، لكنهم اتخذوا قرارا بمقاطعتنا نظرا إلى "العار" الذي نلحقه بهم".
لكن لهجة الشاب بدت أكثر دبيلوماسية، يقول "نريد منهم أن يفهموا أن ما يجمعنا ليس شذوذا، بل علاقة إنسانية عاطفية طبيعية، ينقصها فقط ورقة هزيلة لا أكثر"، ويمتعض من أن "بعضهم ينظر إلى علاقتنا على أنها زنى، على رغم قسوة هذه الكلمة، نحن مقتنعون بأننا أشد ارتباطا من أي زوجين. كل ما في الأمر أننا لا نراهن على أن ما يجمعنا هو نهائي ومستمر".
الإرادة الواعية
ويقول ايلي واصفا تجربته في المساكنة: "بعد سنوات عدة من الحياة المشتركة، يمكنني القول أن مؤسسة الزواج ليست سوى وسيلة للحصول على الأطفال، فالإنجاب هو الامر الوحيد الذي يميز بين الحياة الزوجية والمساكنة. اعتقد أن الإرادة الواعية هي التي دفعتني إلى اختيار شريكتي وهي أكثر أهمية من تلك الورقة التي تجعل من ممارسة الجنس أمرا قانونيا. في مطلق الحالات انتهت حياة المساكنة بالنسبة الي قبل مدة، ولا زلت احمل ذكريات رائعة عنها، ولا بد من الاعتراف بأنّ الضغوط الاجتماعية هي التي منعتني من الاستمرار".
"مجرد خطأ وخطيئة"
كثُر المعارضون لفكرة المساكنة في الواقع اللبناني، حيث انطلق معظمهم من خلفية دينية، ومن "بروباغاندا" قوية ضد أي علاقة جنسية خارج "إطارها الشرعي". نفت سينتيا أي احتمال لقبولها يوما فكرة مساكنة رجل: "يكفي أن نعرف أن لا حقوق قانونية مضمونة في لبنان للمتساكنين، إلى جانب إشكالية الإنجاب والنسب، والمشكلات العائلية التي تحدّق بأي خيار مشابه". فيما رأى ربيع (26 عاما) أن المشكلة هي في الثقافة الدخيلة، التي أدخلت معها مفاهيم كانت مرفوضة في الأمس وسمّتها تمردا ورفضا، "بينما هي مجرد خطأ وخطيئة".
آثـار فوضوية
قد يكون العنصر الأكثر تأثيرا في المساكنة هو العلاقة الجنسية التي تجمع بين شاب وفتاة من دون زواج، إذ إن التقاليد والقناعات لا تعتبرها مجرّد آثار عابرة، لذلك يثور التساؤل عن ماهية الآثار القانونية للمساكنة.
إن المساكنة عملية خطيرة جدا، ويمكن أن تترتب عليها آثار شديدة التعقيد والخطورة من الناحية القانونية والمادية، وخصوصا إذا وقع خلاف بين الطرفين. فقد يدّعي أحد الطرفين بوجود عقد زواج شفهي مما يثير كثيرا من الخصومات القضائية التي تحتاج إلى سنوات للفصل فيها، فيؤثر ذلك في الفتاة وعدم تمكنها من الزواج طوال فترة هذه الخصومات القضائية. وقد يقع خلاف على الهدايا والنفقات في فترة المساكنة وأحقية كل طرف بها (وهذا ما يحصل في البلاد المشرّعة للمساكنة) فماذا يقال عن الآثار المترتبة عليها في لبنان حيث لا قانون ولا شرع يسمحان بها؟ كما تكمن المشكلة الكبرى في حال نتج من هذه المساكنة حمل ورفض الرجل الزواج أو الاعتراف بالابوة. فليس هناك ما يجبر الرجل على الزواج في هذه الحالة خلافا لبعض الدول الغربية كرومانيا التي تفرض على الرجل الزواج بمن يساكنها في حال الانجاب.
الحرية مفهوم غيرمطلق
الحب هو اكتشاف الآخر بحقيقته والتزام وتعهد من شخص الى آخر، وهو الإطار الصحيح لعملية الزواج. كما أن الزواج ليس نهاية المطاف، بل هو الخطوة الاولى في طريق الحب، وقد يخطىء بعضهم أحيانا عندما يقولون: "نتزوج فتنتهي المشكلات"، لأن في حال العجزعن فهم الآخر وتفهّمه ستكون بداية المشكلات.
منهم مَن عاش المساكنة فوصل الى نهاية سعيدة أو خرج منها معتذرا. ومنهم مَن انتقدها وبقيت معتقداته تترجح في عالم الافكار حتى ثبُت له العكس. وفي النهاية، لا يمكن إلاّ الوقوف على الحياد في ظاهرة لا يعرف معناها الاّ أصحابها، لكن ينبغي الإدراك أن الحرية مفهوم غير مطلق، وأنّ هناك نظاما على الجميع احترامه.