#adsense

المجتمع المدني نتاج الثورة.. وحراكها

حجم الخط

واجه جمهور 14 آذار بثورته السلمية والحضارية التي تكونت عفوياً من مزيج جمع كل الطوائف والقوى اللبنانية، أبشع وأكثر الفترات قمعا ودموية في لبنان. ذلك الجمهور الذي شكّل الشعلة الحقيقية لثورة الارز، ما زال يرفد ثورته بمئات آلاف المشاركين في كل سنة على الرغم من كل المتغيرات. ثورة هادرة اتخذت من المقاومة المدنية الحضارية خطاً لها، والى ما افرزته من حركات سياسية جديدة، ساهمت في نقل عمل الاحزاب السياسية من ضفة إلى اخرى اكثر تماشيا ومتطلبات القاعدة الشعبية. الثورة لم تغفل عن ترسيخ قواعد المجتمع المدني ومؤسساته وتعزيز ثقافة الديموقراطية، كما توظيف الحيوية الهائلة للشباب اللبناني في العمل المباشر الهادف إلى انجاح المشروع السياسي الشامل للحركة الاستقلالية، ما أدّى إلى بروز العديد من الجمعيات المدنية التي دفعت بنشاط المجتمع المدني إلى الواجهة. ويشرح رئيس "حركة التغيير" ايلي محفوض الاهمية الكبرى لانتفاضة 14 اذار في تأثيرها في عمل ليس فقط الحركات السياسية الجديدة انما ايضا الاحزاب القديمة التي كانت في 14 اذار "حيث تطور عملها على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والقانونية والاعلامية وفرضت عليها عملية هيكلة جديدة تتماشى مع متطلبات الوعي السياسي الذي افرزته هذه الانتفاضة".

ولم يستغرب محفوض "ان تفرز ثورة الارز العديد من الجمعيات الاهلية المتخصصة بالشأن العام، ذلك ان مبادئ 14 اذار قريبة جدا ان لم تكن متلازمة ومبادئ المجتمع المدني، فهذه الانتفاضة هي حالة سيادية وسياسية استقلالية، ولا احد ضد العدالة ولا ضد الشرعية الدولية ولا ضد الحريات العامة". واذ يشدد على "اهمية تلازم تحركات كل من الاحزاب السياسية والمجتمع المدني"، يشرح التفاعل الوثيق ما بينهما قائلا "ان المجتمع المدني وان عمل على التوعية الاجتماعية في ميادين مختلفة يبقى بحاجة الى جمهور الأحزاب السياسية بشكل اساسي، وكذلك سعي الاحزاب الى الاستعانة اكثر فأكثر بقدرات وتخصص المجتمع المدني للاستفادة من الخبرات العلمية والمنهجية التي تتصف بها هذه الجمعيات، حيث تسنّى لها العمل بكثافة وفاعلية بعد خروج سلطة الوصاية وتوسيع هامش الحريات والعمل المدني في لبنان".

"ديموقراطية الانتخابات"

وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت المنظمات غير الحكومية، إلا انها نجحت حتى اليوم في استثمار الفورة الشعبية التي انتجتها تحركات آذار 2005، وكذلك في تسويق فكرة العمل المدني والنشاط الاجتماعي لدى شريحة كبيرة من المجتمع اللبناني وخصوصاً الشباب، ووضع الحجر الأساسي لبناء لبنان الجديد، لبنان حملت لواءه جمعيات كثيرة قامت على مبادئ انبثقت من الثورة وحملت عناوين الديموقراطية والعدالة والحق. ومن هذه الجمعيات برزت "الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الإنتخابات"، التي تعتبر من الجمعيات العريقة في مجال نشر ثقافة إنتخابية قوامها الديموقراطية والشفافية والعدالة. وكغيرها من الجمعيات التي تأسست خلال فترة التسعينات، لم تتمكن من الحصول على العلم والخبر حينها، إذ رفض يومئذ وزير الداخلية الترخيص لجمعية تسعى الى مراقبة العملية الإنتخابية، متهما الناشطين فيها بالسعي إلى مراقبة دور وعمل وزارة الداخلية ما لم يكن مسموحا به حينها. تمكنت الجمعية من مراقبة كل العمليات الإنتخابية النيابية والبلدية وكذلك النقابية منذ العام 1996 حتى اليوم، وتمكنت من الحصول على العلم والخبر في العام 2006. وتقول يارا نصار المديرة التنفيذية فيها ان "الدافع الاساس وراء اعطاء الترخيص كان انتخابات 2005 حين سمحت وزارة الداخلية بإعطاء حق مراقبة الانتخابات إلى مراقبين دوليين، فتعالت بعدها الاصوات في لبنان لكي يأخذ المراقبون المحليون وكذلك الجمعية حقهم في المراقبة. وعند وصول الوزير احمد فتفت إلى وزارة الداخلية فتح الباب امام اعطاء التصاريح لجمعيات المجتمع المدني ومنها الـ"lade"، مشيرة الى ان "عمل الجمعية ساهم بشكل مباشر في تطوير العملية الانتخابية وتطوير اداء المقترعين والمرشحين ورؤساء الاقلام على حد سواء، والاهم اقرار قانون انتخابي".

اعلاميون ضد العنف

وكما ثورة 14 آذار شكّلت أحداث 7 أيار الدافع لانشاء جمعية "اعلاميون ضد العنف" من اعلاميين ليسوا بالضرورة اصحاب توجه سياسي معين بقدر ما هو توجه بديهي على اخلاقيات واسس ومبادئ المهنة. اصدرت الجمعية لغاية اليوم نحو 150 بيانا ولقيت تجاوبا اعلاميا كبيرا. ويرجع العضو المؤسس فيها شارل جبور السبب الاساس وراء نهضة الجمعيات والعمل المدني بأوجهه كافة الى ما سماه "فك عقدة الألسن من بعد اذار 2005 وتحرر لبنان من الوصاية السورية واطلاق الحريات خصوصا على المستوى الاعلامي.عوامل جعلت شريحة كبيرة من اللبنانيين تشعر ان بإمكانها انشاء جمعيات لها علاقة بالعمل المدني ذات التوجه السياسي". ويلفت الى ان "الدافع الاساس وراء انشائها كان العنف المتمادي على الاعلاميين خلال تغطية احداث 7 ايار، وقد اتضح انه ليس فقط عنف معنوي انما امتد ايضا الى العنف المادي". ويضيف " نتفاجأ يوماً بعد يوم بالإعلام الحربي ولغة العنف والتعنيف التي تطلقها بعض القنوات والوسائل الاعلامية اللبنانية لتشويه الاحداث وتحريف الحقائق من اجل تخويف الرأي العام"، مشيرا الى "الحاجة الماسة الى تعديل ليس قانون المطبوعات فقط انما ايضا بعض المحاكمات المستندة على دعاوى القدح والذم مثلا، التي يمكن ان تتسبب مباشرة في تقييد بعض الصحافيين بكتاباتهم خوفاً من الدعاوى القضائية".

مركز سكايز

وللهدف نفسه ودفاعا عن الاعلاميين اسس "مركز سمير قصير للدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية" skeys . ويوضح مديره سعد كيوان، ان "لتأسيس المركز جانبين، الاول العاطفي، فاستشهاد سمير قصير كان الدافع الاساسي لإنشاء هذا المركز، متمسكين بمبادئه ونهجه الاستقلالي الحر. والثاني هو اطلاق الحريات الاعلامية بعد ثورة 14 اذار 2005، اذ من الواضح انه قبلها لم تكن هناك امكانية لممارسة اي دور من هذا النوع، ولا ننسى ان رمز وملهم هذا المركز كان ملاحقا بشكل مباشر من الاجهزة الامنية ولم يكن هناك متّسع من الحرية لإنشاء هكذا مركز في تلك الفترة، وبعد 14 اذار استعاد لبنان قواه واصبح هناك مناخ ملائم لممارسة هكذا نشاط".

ويعمل المركز على رصد الانتهاكات والمخالفات للحريات الاعلامية والنشاطات الثقافية في اربع دول عربية هي لبنان والاردن وسوريا وفلسطين، ولا يخفي كيوان تمتع الاعلام اللبناني بهامش كبير من الحرية نسبة الى الدول الثلاث، قائلاً "المخالفات التي نرصدها في لبنان لا تقارن بما يحصل في بقية هذه الدول من قمع وتنكيل بالصحافيين والمثقفين ومقدمي البرامج التلفزيونية". الى ذلك يعمل المركز على رصد يومي لكل هذه الاحداث عن كثب وهو اليوم في صدد العمل على قانون جديد وشامل للاعلام ومناقشته على المستوى العام والسعي لتبنيه من وزير الاعلام طارق متري، اضافة الى تعاونه مع جمعية "مهارات" التي تعنى بالشأن الاعلامي على المستوى المحلي وكانت بدورها عملت على مشروع قانون وقدمته الى مجلس النواب.

ملتزمون

وكما الجمعيات، برزت تجمعات شكلت جماعات ضغط في اتجاه تحقيق الاهداف التي قامت عليها الانتفاضة. ويشكل "ملتزمون" تجمّعاً أقرب الى مفهوم جماعات الضغط لا منتسبين لديه انما ناشطون، كما انه لا يتمتع بأي نظام خاص انما يقوم على مجموعة مبادئ من روحية 14 اذار.هو تجمع يعكس صورة واقع الناس الذين كانوا في انتفاضة 14 اذار. ويلفت رئيسه نجيب زوين الى ان "المستقلين الذين يشعرون بأنهم معنيون بمسألة الدفاع عن الحريات وقيم 14 اذار قرروا وبطريقة عفوية تنظيم تجمعات ومؤتمرات صحافية بطريقة عفوية منذ شباط الـ2009"، مشيرا الى ان "ملتزمون" يكاد يكون التجمع المدني الوحيد ذات الاهداف السياسية من دون غاية الوصول الى السلطة".

ويتابع " قبل الـ2005 لم يكن هناك إمكانية للمشاركة او القيام بأي تحرّك سياسي في هذا الإطار. لا شك في ان حركات مماثلة قبل هذا التاريخ كانت قائمة في الظل وتتعرض للاضطهاد، لكن أهمية 14 اذار هي في اطلاق حرية هذه التحركات وجعل الاعلام يهتم بنشاطها أكثر". ويؤكد "ان ميزة 14 آذار تكمن في انها استطاعت تحقيق التقاء اللبنانيين بكل فئاتهم واتجاهاتهم وأفرزت الى جانب الاحزاب السياسية الحركات والتجمعات المدنية". وعن المشاركة الشعبية في الذكرى السادسة لـ14 آذار يقول "ان المشاركة في 14 اذار امر لا بد منه، وبرأيي ليس هناك من ضرورة لتوجيه دعوة للمشاركة انما يكفي ان يكون هناك علم وخبر لأن ثورة 14 آذار هي ملك الشعب اللبناني وتعني كل مواطن حرّ".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل