كتب خليل فليحان في صحيفة "النهار":
يتحول تأليف الحكومة في كل مرة الى استنفار ليس فقط محلياً فحسب، بل ايضا الى استنفار دولي وعربي ومتابعة من السفراء المعتمدين لدى لبنان سرا وجهارا ووضع شروط ومحاذير من الدول الكبرى المعنية بملفات معينة، حيال دخول هذا الفريق او ذاك وفي حال تم تعيين فلان في هذه الحقيبة فان هذه الدولة ستعطي تعليمات الى سفيرها بعدم التعاطي مع هذا الوزير او أكثر. واذا لم يأت التأليف وفق ما تريده هذه الدولة من الرئيس المكلف فانها تهدّد بوقف هذه المساعدة او هذا البرنامج.
عندما كانت عملية التأليف تتعثر، ويصبح الرئيس المكلف امام طريق مسدود اثناء سيطرة سوريا على القرار السياسي طوال وجودها العسكري الذي استمر نحو ربع قرن، كانت دمشق تحسم الموقف اذ كان ينقله مدير الاستخبارات في لبنان اللواء غازي كنعان ثم خلفه رستم غزالي. وبعد خروج الجيش السوري قبل نحو ست سنوات، اصبحت عملية تأليف الحكومة تتعقد اكثر فاكثر وبقي التدخل السوري في تشكيل الحكومة من خارج الحدود بنسبة لم تعد معلنة كما كانت عليه في السابق طوال عهود بكاملها. وللسعودية ايضا دور في المساهمة في تلك العملية لكن ليست بالقدر السوري، ثم دخلت قطر على الخط بعد فشل المساعي السعودية – المصرية في انهاء الاعتصام في الوسط التجاري وأدى ذلك التدخل الى "اتفاق الدوحة" الذي نظّم حصص توزيع الحقائب الحكومية.
واللافت ان ما من دولة عربية باستثناء العراق في الوقت الحاضر – تواجه الصعوبات التي يواجهها لبنان والرئيس المكلف تشكيل الحكومة تحديدا، لانه بين ليلة وضحاها، ينهي هذا الرئيس او ذاك الملك او الامير مهمات الحكومة في بلاده ويشكل اخرى جديدة او يدخل تعديلات على حقائب معينة من تركيبتها. لا تهتز البورصة ولا يتأثّر سعر صرف العملة الوطنية ولا الموسم السياحي وحركة الفنادق كما هو الحال لدينا. لعل السبب يكمن ربما في النظام السياسي المتبع المختلف عن بقية الانظمة سواء الجمهورية او الملكية.
والسؤال هل سيستمر هذا الواقع في تشكيل الحكومات والى متى؟ أما آن الأوان لوضع حد له بضوابط تحمي البلاد من الانعكاسات السلبية اثناء عملية التأليف وتضع مهلة زمنية مقبولة وغير مفتوحة نظرا الى الاضرار التي يمكن ان تترتب عنها في حال طالت مدة التأليف؟
اذا ما راجعنا بسرعة المواقف الدولية والعربية التي اعقبت تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة يتبين لنا حجم "التدخل" في مسألة داخلية لملف او اكثر له صلة بقرار متخذ في مجلس الامن او بملف متعلق بالسلاح او ببرنامج تسلح مثل الموقف فمثلا حذرت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بعد تكليف ميقاتي عملية التأليف من حكومة موالية لـ"حزب الله" واعتبرت أن ذلك سيكون له تأثير على العلاقات بين بلادها ولبنان. وتلا ذلك تبليغ الرئيس المكلف عبر القناة الديبلوماسية انه من بين الشروط الاميركية لمواصلة برنامج تسلح القوات المسلحة من جيش وقوى اخرى والذي تبلغ قيمته مليار دولار سيتوقف في حال تخلى لبنان رسميا عن التزامه المحكمة الخاصة بلبنان" بالغاء البروتوكول القائم معها تنفيذا لقرار مجلس الامن وما ينص عليه. كما ان واشنطن تريد اعطاء رأيها في تركيبة الحكومة وهوية الوزراء وما اذا كان الحزب يشارك بوزراء ام لا، وبمضمون مشروع البيان الوزاري.
اما على الصعيد العربي فسوريا هي مع تشكيل حكومة وحدة وطنية وفقا لتصريحات وزير الخارجية وليد المعلم في اكثر من مناسبة وغالبا في مؤتمر صحافي كان يعقده مع زميل له يزور دمشق. ولـ"مجلس التعاون الخليجي" رأيه في التكليف والتأليف حدده يوم نهاية الاسبوع الماضي اذ أعربت دوله عن املها في ان ينجح رئيس الوزراء المكلف في تأليف حكومة جديدة تحقق آمال الشعب اللبناني وتطلعاته. ونوّه وزراء خارجية تلك الدول ومن الرياض بـ"المضامين الايجابية التي وردت في خطاب الرئيس المكلف. وجددوا "دعمهم الكامل للامن والاستقرار والوحدة الوطنية اللبنانية".
وسألت شخصيات قيادية وفاعليات سياسية متى يتحرر لبنان في التدخلات من اجنبية وعربية حتى في عملية تشكيل الحكومة رغم التغييرات التي طرأت على القوى السياسية والحزبية؟