الحشد الضخم الذي شهدته ساحة الشهداء أمس، ليس حدثاً عادياً، ولن تنتهي مفاعيله مع غروب شمس الذكرى السادسة لإنطلاقة <ثورة الأرز>·
لقد استفاقت قوى 14 آذار على وضعها، بعد سلسلة الضربات التي تلقتها في الفترة الأخيرة، واستطاعت الخروج من دائرة التردد وردّة الفعل، والتقدّم باتجاه إعادة الإمساك بالمبادرة، واتخاذ المواقف الواضحة، والتي كان آخرها الموقف الصريح والحاسم في رفض وجود السلاح في المعادلة السياسية الداخلية·
والإقبال الجماهيري على المشاركة في ذكرى 14 آذار، والذي فاق بعض التوقعات، لا يكفي اعتباره بمثابة تجديد الثقة بقيادة ثورة الأرز وحسب، بقدر ما يُفترض التعامل معه من الفريق الآخر، وكأنه استفتاء يعبّر عن إرادة نصف اللبنانيين، على الأقل، من ملف يُثير الكثير من القلق في صفوفهم، ويريدون أن تكون الدولة ومؤسساتها الشرعية الملاذ الآمن لكل أبناء الوطن·
* * *
وليس من المبالغة القول أن جماهير 14 آذار الزاحفة من مختلف المدن والمناطق، والمنتمية الى كل الطوائف، قد حمّلت قياداتها مسؤولية مضاعفة، وأتاحت فرصة جديدة أمامها، لنفض غبار الترهل والتساهل عن كاهلها، والانخراط في ورشة عمل جدّي ومسؤول يحمي الثوابت الوطنية، ويحافظ على أسس العيش الواحد، ويطرح حلولاً ومخارج للأزمات المعقدة والمتشابكة، السياسية منها والإجتماعية، الإقتصادية والمعيشية·
يمكن القول أيضاً، أن موضوع السلاح في الداخل لم يعد مجرد شعار على يافطة، ولا هو ردة فعل سرعان ما تخبو حركته، بقدر ما أصبح عنواناً آخر للمرحلة ذاتها التي وضع لها فريق 8 آذار عنواناً مثيراً للجدل أيضاً هو المحكمة الدولية·
إذن، السلاح والمحكمة هما عنوانان لمرحلة واحدة في هذه الفترة العصيبة من تاريخ لبنان والمنطقة!·
* * *
قد لا يكون الإنقسام ظاهرة مستجدة في المشهد السياسي اللبناني· فالطائفية السياسية المتسترة برداء الديمقراطية حيناً، والمسلحة بسيف العصبية أحياناً كثيرة، جعلت من ظاهرة الإنقسام اللبناني حركة فولكلورية في سياق النظام السياسي المشوّه، يسهل استغلالها وتوظيفها من قبل العابثين باستقرار البلد، واللاعبين الإقليميين والدوليين·
إلا أن خطورة الإنقسام الحالي تكمن في حالة التباعد والتوتر السائدة بين أكبر طائفتين في النسيج اللبناني، ويحجز الطائفية الكبيرة الثالثة عن القيام بدور وطني جامع لتقريب المواقف بين الشريكين الآخرين، بسبب احتدام الصراعات والتنافسات بين قياداتها السياسية والحزبية·
ورغم ان الإنقسام العامودي الحالي محوره خلاف في المنطلقات والأهداف السياسية التي يسعى إلى تحقيقها كل فريق، الا ان اضفاء الطابع المذهبي على الخلافات الحالية حول السلاح والمحكمة، يضع البلد برمته على برميل بارود فتنة قاتلة، لا تُبقي ولا تذر·
فهل من سبيل لتجنيب البلاد والعباد مأساة الإنزلاق الى هاوية الفتنة؟
* * *
إذا كانت حملة الاعداد للذكرى السادسة لثورة الارز قد اتسمت ببعض شعارات التصعيد والمواجهة المباشرة فإن دعوات الحوار والحرص على تصحيح وجهة السلاح نحو العدو الاسرائيلي، لم تكن غائبة عن خطابات قادة 14 آذار، وخاصة خطاب رئيس تيار <المستقبل> سعد الحريري، الذي كرّسه الحشد الكبير بالامس، قائداً اولاً لحركة 14 آذار في المعارضة، كما كان الحال في الموالاة·
ولعل الواقعية السياسية، والحرص على تجنيب الوطن الصغير تداعيات الزلزال السياسي الذي يضرب المنطقة العربية حالياً، لعل ذلك يتطلب من فريق 8 آذار، وخاصة حزب الله، التعامل مع ملف السلاح في الداخل، بما يستحق من حكمة وجدية، تؤكد احترام ارادة نصف اللبنانيين على الأقل، وتحرص على استعادة وحدة الموقف الوطني من المقاومة وسلاحها الموجه الى العدو الاسرائيلي أولاً وأخيراً·
لم تنفع بالأمس لغة التراشق بالعمالة والتخوين، ولن تنفع اليوم أساليب التهديد والتهويل، فالمسألة من الخطورة والتصعيد ما يفرض على الجميع اللجوء الى الحوار، وإبقاء النقاش داخل المؤسسات الدستورية، والتحلي بكثير من ضبط النفس، وبُعد النظر، واعتماد الرؤية الوطنية الشاملة، لتفويت الفرصة على العدو الاسرائيلي لتحقيق ما عجز عن تحقيقه في حرب تموز، من تدمير للمقاومة، واغراق الوطن المقاوم في وحول الفتنة والحروب الداخلية من جديد·
* * *
في موضوع السلاح، المبادرة باقية في يد حزب الله ليطرح على الشركاء في الوطن والمصير رؤيته الحقيقية لهذا الملف الحساس، والمدى الذي يمكن ان يصل اليه في التنسيق مع القيادة العسكرية الشرعية من جهة، وفي معالجة اسباب الحذر والقلق عند اكثر من نصف اللبنانيين·
ومثل هذه المبادرة الوطنية الكبيرة تتطلب مغادرة مواقع الخلافات السياسية الحالية، والارتفاع فوق مستوى الحرتقات الداخلية، وتحديد الاهداف الوطنية الاستراتيجية التي تحفظ للبنان مناعته الداخلية، وتحافظ في الوقت نفسه على قوة الردع العسكرية التي ادخلتها المقاومة على معادلة التعامل مع العدو الاسرائيلي·
اما في موضوع المحكمة فالمبادرة تبقى في يد الرئيس سعد الحريري، ليس بصفة كونه <ولي الدم>، بقدر ما هو معني بشهداء ثورة الارز، وفي مقدمتهم طبعاً والده الرئيس الشهيد، خاصة وان لجنة التحقيق الدولية اعلنت اكثر من مرة عن ضم كل عمليات الاغتيال التي وقعت ما بين العامين 2005 و2008 الى مهامها·
لقد طرح سعد الحريري اكثر من مبادرة في هذا السياق، ولكن الفريق الآخر لم يلاقِه، وقتذاك، عند منتصف الطريق·
لا مصلحة لأحد في إذكاء حدة الانقسام والتباعد حول عنواني السلاح والمحكمة، الا للمتعيشين على موائد الكبار·
والبديل الآخر عن الحوار والتوافق، هو المزيد من التوتير والتصعيد الى ان تبلغ الامور حالة الانفجار <التسونامي> المذهبي والطائفي، الذي سيُغرق الجميع بوحوله··
فهل تستطيع الحكومة الميقاتية العتيدة اعطاء هذين العنوانين الاولوية اللازمة لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار السياسي للبلاد··
والاستقرار النفسي للعباد··؟!