#adsense

“حكيم” .. الثورة

حجم الخط


(تصوير ألدو أيوب)


كتب عبد السلام موسى في صحيفة "المستقبل": منذ أن وطئت رجلاه ساحة الشهداء، لم تهدأ عيناه تجولان في الحشود تطمئنان إلى شعبٍ أخرجه من سجنه الصغير في العام 2005، ليخوض معه في العام 2011 معركة إخراج لبنان من السجن الكبير.

ما إن إطمئن إلى أن شعب "14 آذار" بخير، تأكد أن لبنان كله سيكون بخير، ما دامت الثورة لم تأكل أبناءها، بل تولد من جديد، ثورة في قلب الثورة، ثورة أرز ثانية، لا ترتاح، ولا تستكين.

لم يكن وحده من يطمئن. كان شعب "14 آذار" يطمئن إلى "حكيم" راجع في "البيال" تجربة السنوات الست الماضية ولم يتراجع، لأن "ماء الحياةبذلةكجهنم،وجهنم بالعز اطيب منزل".

بخلاف السنوات الماضية، لم يطل رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع فجأة على المنصة الرسمية. بداية ظهوره كانت بالقرب من "الفيرجين"، محاطاً بجمهرة من المحبين والإعلاميين، وهو يبتسم لهم، يحادثهم  ويتقدم  بخطى ثابتة إلى الأمام، والصيحات تتوالى: "حكيم .. حكيم".

مضى إلى حيث تأتي الصيحات. هي تأتي من كل مكان. حار "الحكيم" بأي إتجاه يسير. يريد أن يصافح شعب "14 آذار"، إن تسنى له ذلك "فرداً فرداً". يريد أن يكسر القيود التي تفصله عنه، لكن رياح التنظيم سارت بعكس ما اشتهت سفن "الحكيم" وقواته التي أبحرت من الدورة إلى مرفأ بيروت، فإذا به يمر في إحدى الخيم المنصوبة في الساحة، ليصبح في حضرة تمثال الشهداء، وعلى مرأى كل المحتشدين في الساحة، الذين وقبل أن يلوح لهم بيده كانوا يلوحون له بأعلامهم اللبنانية، ويردون التحية بأفضل منها.

حيا الشعب، وعيونه شاخصة إلى مشهد تاريخي يتجدّد في 13 آذار 20011. بدا كمن اشتاق لمشهد جامع، يوحد المسلمين والمسيحيين، تحت راية العلم اللبناني، بعد كل ما عاناه هؤلاء طوال السنوات الست الماضية، من ظلم السلاح وقهره. نزل من المنصة إلى حيث يجلس النواب ممثلو الشعب. صافحهم، وألقى السلام على من يحبون السلام. اتجه إلى حيث تجلس عقيلته ستريدا التي كانت تزين بطلتها وحضورها المكان. ارتاح الى جانبها، وراحا يتهامسان، كأنهما يتغازلان، لكن توافد رفاق الدرب قطع الغزل على ما يبدو. ما هي إلا دقائق حتى بدأوا يصلون تباعاً، إلى أن وصل إبن الرفيق سعد الحريري ليأخذ مكانه بالقرب منه، مع "سلام وكلام" وارتياح بادٍ على محياهما وابتسامتهما التي قالت أكثر بكثير مما قالوه في كلماتهما.

دقت الساعة. اعتلى المنصة خطيباً، وهو "الحكيم" إن حكى. أطلّ بـ"ما قلّ ودلّ". مختصر مفيد، لكن ملؤه الكثير من الـ"لا" والـ"لم"، علامات الجزم بأن ما بعد 13 آذار 2011 ليس كما قبله، وبأن قيود الخوف التي انكسرت مرة أولى في العام 2005 وأسقطت وصاية الجار، ستنكسر مرةً ثانية، وثالثة ورابعة كي تسقط وصاية السلاح، تأكيداً على ما قاله في إحياء ذكرى شهداء ثورة الأرز في "البيال" :" بمجرد بزوغ ملامح سلطة وصاية ثانية، سيؤدي الى ثَورات أرز لا نهاية لها".

لم يُسلّم هذه المرة على "الإخوان" ممن لا يحبون سلامه. بل ردّ على صيحاتهم: "قولوا ما شئتم فنحن على سلاحنا باقون"، بصيحة أقوى، مستمدة من إرادة الشعب في الساحة. صاح "الحكيم" " لا يا اخوان يظهر انكم نسيتم انه اذا الشعب يوماً اراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد ان ينكسر".

لم يرض "الحكيم" بأن يبقى "مصيرنا بأيدي غيرنا"، و"قرارنا خارج حدودنا"، و"اقتصادنا مشلولا"، و"مستقبلنامترنحا". لم يرض للجيش اللبناني ضرّة، أي السلاح المتفلت من أي شرعية، سلاح "حزب الله"، بل أراد الدولة اللبنانية أُمّاً.

كشف حقيقة أصحاب السلاح، وصفهم بـ"المتلطين وراء خيار المقاومة، للتحكم بالبلاد والعباد، وتصدير الثورة، وخدمة مشاريع الجمهورية الإسلامية في إيران"، صاح ومعه كل شعب "14 آذار" في الساحة، " لا للتحكم بالبلاد والعباد. لا لتصدير الثورة. لا لتسخير شعب لبنان في خدمة مشاريع ايران".

حيّا شهداء ثورة الأرز باسم الجميع. نظر إلى صورهم في الساحة وقال :" ارتاحوا في عليائكم، وتأكدوا، بأننا لن نفرط بنقطة من دمكم. لن ندعهم يغتالونكم مرتين. لن نفرط بالمحكمة الدولية، محكمتكم، مهما كان الثمن. لن نقبل بإسقاط العدالة".

ختم "الحكيم" كلامه بمعادلة تقول: "لا حياة لنا من دون دولة. ولا دولة بوجود الدويلة"، وراح يحيي جموع المحتشدين "فرداً فرداً"، من كل المناطق. وجّه على سبيل المثال لا الحصر، "تحية الى شبعا التي شبعت مزايدات"، و"تحية الى بنت جبيل لبنان وليس ايران"، و"تحية الى زحلة مربى الأسود"، و"تحية الى دير الأحمر، دير العنفوان"، و"تحية الى كسروان وبكركي وسيد بكركي"، "وتحية الى بشري والأرز وجبران"، قبل أن يخصّص بيروت "البشير والرفيق" بألف وألف تحية، لأنها لا تركع، ولا تخضع، ولا تموت.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل