في كل مرة كانت تتعرّض انتفاضة 14 آذار لاي اختلاف في الرأي بين بعض قياداتها، كان تكتل 8 آذار، في قياداته وسياسييه واعلامه، يسارعون الى تلقف هذا الاختلاف ليبنوا عليه احلامهم بأن انتفاضة 14 آذار الى تفكك وانهيار، وان الامانة العامة لتكتل 14 آذار «سرقت» اسمها من التيار الوطني الحر، على اعتبار ان التيار العوني كان العمود الفقري شعبياً لمليونية 14 اذار2005وبخروج العماد ميشال عون منها لم يعد يحق لها اطلاق هذا الاسم على الانتفاضة، وعلى الرغم من ان جمهور 14 آذار استمر على التمسّك بالاسم والمناسبة في كل سنة، الا ان وهج 14 آذار2005 كان دائماً الطاغي في الذاكرة، وعندما خرج النائب وليد جنبلاط من 14 آذار، تسابق جماعة 8 آذار على نعي انتفاضة 14 آذار، وكانوا عندما يذكرونها يقولون عنها انها «من تبقّى من 14 آذار».
اذكر اني في تلك المرحلة، كتبت مقالاً في «الديار» التي تركتها مسؤولاً، واعود اليها كاتباً لا يلزم الجريدة لا برأي او موقف او بدل اتعاب، قلت فيه ان 14 آذار «روح وثوابت ومبادئ، ومن يخرج منها يخرج وحيداً»، كما قلت في مقال آخر «ان الايام ستثبت ان خلاص لبنان من عذاباته سيكون على يد 14 اذار».
ما قلته سابقاً لم يكن تبصيراً او ضرباً بالرمل، بل كان نتيجة تواصل مع العديد من ابناء تلك الانتفاضة الذين اصيبوا في مرحلة من المراحل الصعبة التي مرّ فيها لبنان، بالاحباط من جهة، وعدم قبولهم من جهة ثانية بخيارات بعض قياداتهم، معتبرين انها تنازل وخضوع لمنطق القوّة، ولكنهم في الوقت ذاته لم يفقدوا يوماً ايمانهم وتمسكهم بأهداف 14 آذار ومبادئها، القائمة تحديداً على النضال من اجل قيام الدولة القوية القادرة العادلة، ذات السيادة على كامل الارض اللبنانية، كما يفترض ان يكون وكما نصّ على ذلك اتفاق الطائف.
13 آذار 2011، كان الموعد المنتظر ليتصالح فيه جمهور14آذار، المطعّم بناشطين من المجتمع المدني وبمثقفين، مع قياداته التي قامت بنقد ذاتي قاس وصادق لمسيرة عمرها اكثر من عشر سنوات، شهدت انتصارات رائعة وسقطات كبيرة، وعدت بعده هذه القيادات جمهورها، بانها سوف تستثمر هذه الانتصارات الوزنات وتزيدها، ولن تقع في محظور السقطات مجدداً، لانها مؤمنة، والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، ويحق اليوم لجمهور 14 آذار، وبعد حشد الامس الذي استنسخ حشد 14 آذار 2005 وزاد عليه، ان يفاخر بقوة وجوده، ووسع انتشاره، وصلابة موقفه، وشجاعة طروحاته، خصوصاً انه مع اعلان رفضه لمنطق السلاح وغلبته واستخدامه لتحقيق مكاسب على حساب الديموقراطية والحرية والدستور وصيغة العيش المشترك، مد يدّه الى شريكه في الوطن طالباً اليه ان يغلّب منطق الحق والقانون والمساواة بين مختلف شرائح الشعب اللبناني، بعيداً من الفوقية والاستقواء، وتغليب مصلحة جهات لا علاقة لها بمصلحة لبنان واللبنانيين، ولا تساعد على بناء الدولة، وجمهور 14 آذار في موقفه هذا لا ينطلق من موقع ضعف او استجداء، بل من موقع قوة شعبية طاغية اثبتت وجودها بجميع المقاييس، وبالتالي لا يجوز بعد اليوم ان يطلق كلام كالذي اطلقه العماد ميشال عون، وتبين امس انه هو الذي كان غائباً عن السمع والبصر ومستسلماً الى النوم، ولم يشعر بمدى تقلّص شعبيته وضعف مصداقيته امام زحف الجماهير الى ساحة الحرية، كما انه ليس من المنطق في شيء ان يقول احدهم انه لو تظاهر عشرة ملايين لبناني فان شيئاً لن يتغيّر.
* * *
التظاهرات الشعبية السلمية اسقطت انظمة ورؤساء كان يعتقد انهم الاقوى على الساحة العربية، وهذه التظاهرات، على ما يظهر ستسقط ايضاً انظمة اخرى، وربما عروشاً، والعجيب الغريب ان الرؤساء الذين سقطوا، والذين سوف يسقطون، يتهمون اسرائيل والغرب بالوقوف وراء هذه التظاهرات والتحركات الشعبية، وهو الاتهام ذاته الذي وجهه البعض في لبنان الى جمهور 14 اذار وقياداته، بأن موقفهم من السلاح هو مطلب اسرائيلي، فهل يعقل ان يتم اتهام اكثر من نصف اللبنانيين بالعمالة لاسرائيل لانهم اعلنوا عن وجعهم وقلقهم وحقهم في الحياة والاستقرار ضمن دولة يلجأون اليها وجيش يحميهم ؟
تظاهرة الامس، حملت جديداً الى الساحة السياسية، وفرضت واقعاً مختلفاً على المعادلة الداخلية لا يمكن تجاهله او التغاضي عنه، او الاستمرار في سياسة الكيد وفرض الامر الواقع سنداً الى منطق القوة، واذا كان الفريق الملتصق بحزب الله والمستقوي به يجهل القراءة الاستراتيجية، وخصوصاً موقف الجامعة العربية من احداث ليبيا، فان حزب الله يعرف القراءة جيداً، انما المهم ان تكون عنده نيّة القراءة الايجابية، والرغبة في مدّ جسور التفاهم بين مختلف مكوّنات الشعب اللبناني.