ما بعد 13 آذار ليس بالتأكيد كما قبله…

مشهد "ساحة الحرية" سيدخل في حسابات المخططين والمهندسين والمكلّفين الاستحقاقات المقبلة… ليس العدد الكبير الذي فاق مئات الألوف هو العبرة، إنما ما وراء هذا العدد من تصميم شعب يريد الحياة الطبيعية هو العبرة… شعب عاش الخيبة تلو الأُخرى، والصدمة بعد الأخرى، وعلى رغم ذلك نزل إلى الساحة وملأها… لم يلبِّ جمهور ثورة الأرز نداء، إلا نداء حقّه في عيش كريم ورفضه الخضوع للخوف… سبق قيادييه بجرأته، فقال الـ"لأ" عاليا، وعبّر بصدق عن رؤيته لمستقبله ومستقبل أبنائه ولم يَخَف… مشهد "ساحة الحرية" الجماهيري فاجأ حتى قياديي "14 آذار" الكبار، فتخطّى توقعاتهم، ويقول بعضهم إن الأجواء تبدلت في الأسبوع الأخير ايجابا، إذ تحوّل مزاج الجمهور من لا مبالاة الى حماسة مطلقة. وهذا ما أظهرته استطلاعات الرأي التي كانت تجريها قوى "14 آذار" تباعا، وعلى عيّنة من خمسة آلاف مواطن اختيروا من المناطق اللبنانية كلها. مشهد الـ2011 شُبّه بانتفاضة العام 2005، والفارق الذي خلّفه غياب بعض رموز السنّة الطرابلسيين و"بيك" الاشتراكيين ومسيحيي "التيار الوطني الحر"، هذا الفارق عدّلته المشاركة المسيحية المميزة هذا العام. بعضهم يردّ "الهبّة" الشعبية المتجدّدة لعوامل كثيرة، قد يكون أبرزها شعار "السلاح" الذي لامست به قوى "14 آذار" مشاعر نصف الشعب اللبناني، لئلا نقول معظمه. فمَن من الشعب لا يطمح الى الدولة القوية لا الدويلة؟ ومَن منه لا يستذكر ممارسات السلاح غيرالشرعي؟ ومَن منه لا يريد أن يعيش في أمان واستقرار؟ حتى الأمس القريب، كانت مهمّة المطالبة بنزع السلاح غير الشرعي منوطة بالفريق المسيحي لقوى "14 آذار"، حتى تبدّل المشهد، وأخرج هذا العنوان من الإطار الطائفي… وهذا ما شهدت له "ساحة الحرية" في الأمس، من خلال خطاب تصاعدي لرئيس الحكومة الذي سقطت حكومته ضحيّة قوّة السلاح، ومن خلال جمهور سُنيّ حمل شعار اللاءات على مختلف أنواعها. لا شكّ في أن قوى "14 آذار" نجحت في الاستفتاء الشعبي الذي أرادته لعنوان معركتها في المرحلة المقبلة… استفتاء سيكون ورقة حاسمة في يدها كسلاح سياسي في الخلاف على السلاح… لم تتجرأ قوى "14 آذار" في السنوات الماضية على قول الأمور كما هي… حتى اختار فريق "8 آذار" التوقيت عنها، فقرّرت تغيير المعادلة لتصبح معادلة الناس والمؤسسات والدستور مقابل السلاح هي السائدة. وفي معادلتها الجديدة، محاولة لخلق توازن مختلف سعيا لحلّ مشكلة السلاح. في العام 2005 شكّل الجمهور المليوني قوة الضغط في وجه الأربعين ألف جندي، فهل مشهد 13 آذار هو القوة الجديدة في وجه الأربعين ألف صاروخ؟ ليس المطلوب إسقاط مبدأ المقاومة للعدو، فهي حق مشروع يجمع عليه الشعب اللبناني كله، طالما أن هناك أرضا محتلة، إلا أن وجهة المقاومة في خطة سير المعارضة الجديدة، وهي ما ظهّرتها قوى "14 آذار" في خطابات "البيال"، وفي وثيقتها السياسية التي أطلقتها من "البريستول"، وفي ما ردّده معظم قيادييها من ساحة الحرية، تلجأ الى الأطر السلمية والديبلوماسية من دون إغفال حق المقاومة، ولكن لعدم حصرها بيد حزب واحد أو طائفة واحدة، ولكي لا تحتكرها جهة غير الجيش اللبناني. بالطبع، المعركة ليست سهلة، و"ثورة الأرز الثانية التي لن تستكين قبل تحقيق أهدافها"، ستكون في مواجهة مع ثورة أخرى، وربما ساحة أخرى في وقت يعيش البلد على وعد حكومة لم تعرف للتأليف مسارا بعد، وإن اتضحت وجهتها السياسية، وعلى فوّهة بركان قرار اتهامي صوّبت خطوة المدعي العام دانيال بيلمار الأخيرة غليان حممه، ناهيك بالغليان المستمر في المنطقة… ما بعد 13 آذار يوم آخر… وإن غدا لناظره قريب…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل