وأخيرا تمَت النقلة النوعية من المعركة الخاسرة. وهذا أنجاز كان ثمنه باهظا، لكنَ نتيجته النفسية أيجابية وهي الأنتصار على الخوف. وعاد جمهور السيادة الى ساحته موحَدا، و الطرح – المطلب : "لا للسلاح". واذا كان هذا الشعار واحدا كحيثية، الاَ أنه ثنائي التوجَه، بمعنى أنَ مطلقيه يسعون الى أن يسمعه، وبإمعان، الداخل والخارج على حدَ سواء. فمعارضة السلاح ملازمة لمعارضة من يقف وراءه من الخارج. ولا يفهم من هذا، سوى أنَ "السياديين" شعروا بالحاجة الى فرض تسويتهم على الداخل وعلى محيطهم.
فبعد أن مارسوا ولفترة غير قصيرة، سياسة ردَة الفعل التي ألزمتهم تقديم تنازلات مميتة، أستفاق في ذواتهم سؤال أقلقهم: "هل كنَا على حقَ في خسارة معركة السيادة"؟ وكانت بالتالي عودة للتمسَك بالشعار الذي جرى التنكَر له والنأي عنه، وعادت الكرامة الى أخذ نفس.
أمَا استراتيجية الساحة، فهي الألتزام بالتحرك حتى أندثار مقولة الدويلة ليشرق فجر الدولة. وتطرح بالتالي الأشكالية الآتية: هل يشكَل هذا الرهان مفترقا مفصليا في حاضر الوطن ومستقبله؟ وما هي الآلية المتاحة للتوصَل الى جعل النظريَات المتعلَقة بهذا الرهان حقيقة ملموسة؟ انَ الجواب في هذا الصدد سهل وخطير في آن واحد. فإذا توكَلنا على استعداد القوى السيادية وطموحها الى الحراك الفاعل للتغيير، يمكن أن نضع أيدينا "في الماء الباردة" كما يقول المثل الشعبي، وأذا أمعنَا النظر في استعداد الفريق المسلَح للتجاوب، وضعنا أيدينا على قلوبنا. فالمواجهة، شئنا أم أبينا، هي بين الطرح العقلاني المستند الى مفهوم الوطن والدولة، كما في سائر الأمم، وبين معادلة القوة والحق، حيث الحق لمن يمتلك القوة، فيفرض معاييره في لعبة السلطة محاولا اختزال الدولة ومصادرة قرارها، حتى ولو كان سبيله الى ذلك الأصطدام، أقلَه، بنصف اللبنانيين. وعلى هذا، يتبيَن لنا بوضوح أنَ سقف القبول لدى فريق السلاح منخفض تماما، فما تسويق أعلانات المشاركة والوفاقية سوى تمويه ظرفي وتكتي، أمَا الحقيقة التي لا تقبل الجدل فهي هيمنة الأيديولوجية كعائق أساسي أمام المرونة الوطنية، وذلك للوصول الى الأستئثار بهدف تسهيل تنفيذ شعار"لبَيك يا خامنيئي".
من هنا، كان تمسَك الحزب بالسلاح مرتبطا بالعقيدة "المهدية" أولا، والتي تسعى الى ازالة قوى الشر من العالم (من دون تحديد هوية هذه القوى)، وثانيا بإتاحة تمدَد التجربة الأيرانية التيوقراطية في زمن الدولة المدنية والعلمانية. انَ مناهضة السلاح تعود الى كون النسيج الوطني ليس بمجموعه شيعيَ المعتقد، ولا سيَما الجانب الأصولي من التشيَع، كما أن النظام اللبناني لا ينسجم في جوهره مع القوقعة الدينية، بالرغم من حضانته للطوائف.
قبالة هذه الحيثية – المشكلة، لا بدَ من النفاذ الى أجراءات ميدانية مباحة ومتاحة في آن معا، يمكن أستهلالها بالتعبئة المستدامة لجمهور "الحرية والسيادة والأستقلال" الذي لمَا يزل يثق بأهدافه النضالية، وبالتالي لكل الشعب قاطبا، وذلك بخطاب يستمرَ ويكبر، مركَزا على النتائج القاتلة التي يفرزها وجود سلاح في غير يد الدولة، أقلَها القلق الدائم على السلامة. كما ينبغي العمل على ترميم العلاقة بين الدولة وناسها، لا ليشعر الناس بالأمان بل لتشعر به الدولة، فنستعيد الثقة بنفسها و"تكشَر عن أنيابها "في وجه الذين تجاوزوها وهمَشوها واستولوا على سطوتها بالأنقلاب. أمَا الفاعلية الميدانية، وهي آخر الحراك، فتكمن في أحتلال الساحات والثبات فيها، من دون خلفية فولكلورية، حتى يسقط السلاح.
انَ الشعب لم يعد جنديا مجهولا، فهو أقوى الأسلحة وأحدَها، وهو الصامد الذي لا تصيبه الخيبة، وهو عامل النجاح الاوحد في المواجهة بين الخوف والأقدام. لقد انقضى موسم التشاطر على الشعب وتكريس شطبه، فلا نضيَعنَ أذا فرصة عودة الشعب الى الساحة، الى خريطة الوطن.