مشهد الثالث عشر من آذار 2011 لا يحتاج الى كبير عناء ليشكل رسالة قوية جدا في كل الاتجاهات. كما انه يغني عن التساجل السخيف عبر بعض اقنية التلفزة حول الأعداد التي شاركت. فالمشهد واضح، بل انه صارخ. ومن يعتبر ان موقعه او زعامته تغنيه عن رؤية ما يريده نصف الشعب اللبناني وما يزيد، يخطئ كثيرا ويتجاهل نبض الشارع اللبناني المدني المتنوع الذي كان حاضراً بالامس بالاحزاب، ولكن خصوصاً برأيه العام المتحرر من الاحزاب وحساباتها، وقد جاء ليقول لا لسلاح "حزب الله" اكثر مما جاء يوالي هذا الحزب او ذاك. فكلما عادت القيادات الى حضن الشعب وخياراته ونبضه وقف بجانبها ومنحها التأييد القوي في كل مناسبة. والحق ان مشهد الثالث عشر من آذار 2001 جاء ليؤكد حقيقة مفادها ان الشعب، ولا سيما بعض فئاته الاكثر محافظة، ما عاد من الممكن جرها من خيار الى خيار بكبسة زر. هذه هي روح "ثورة الارز"… الغالبية العظمى تريد الدولة ومشروعها. اكثر من ذلك، انها تريد انتهاء السلاح الفئوي الفتنوي المستتبَع لاجندات الخارج، وبالتحديد لانه استخدم وسيستخدم ضد اللبنانيين كل مرة يقع خلاف سياسي في البلد.
بالامس شهد نجيب ميقاتي على خيارات غالبية اللبنانيين، وبدل ان يتواضع امام مئات آلاف اللبنانيين في ساحة الحرية، ويحييهم احتراما، استعار مفردات وليد جنبلاط المستجدة حول الفتنة التي يزعم ان أحرار لبنان يستدرجونها، ولم ير هذا السلاح الفتنوي الذي يحمله "حزب الله" بذريعة مقاومة لا يريدها معظم اللبنانيين بعدما صارت هي مصدر التهديد الاول لكل لبناني ولبنانية. ولعلّ ميقاتي، الرجل الذي اختير لتشكيل حكومة "حزب الله" وسوريا في لبنان، نسي عاملاً مهماً في معرض اعتراضه على وصف السلاح بأنه "سلاح الغدر"، ألا وهو مئات القتلى والجرحى والتخريب الاقتصادي، وضرب المعادلات السياسية وتوازناتها، فأخطأ باستحضار رفيق الحريري ليتحدث بلسانه، في الوقت الذي كان شريكه ميشال عون يشتم ذكرى الحريري. كان حرياً بنجيب ميقاتي ان يرد بقوة على شريكه أسوة بما فعل محمد الصفدي واحمد كرامي، بدل ان يصمّ أذنيه عن رسالة أحرار لبنان واستقلالييه يوم الاحد، ولكن تذكّر ان الناس، يحبون الرجل الشهم حتى لو أخطأ!
رسالة الاحد ترجمتها ان حكومة نجيب ميقاتي (حكومة حزب الله وسوريا) وكيفما أتت تركيبتها، سياسية او تكنوقراط او مختلطة، وأياً يكن أعضاؤها، ستولد ميتة، وستكون في مواجهة نصف الشعب او ما يزيد. و لن تكون غالبية 68 نائباً في البرلمان غطاء كافيا لكي تخطو خطوة واحدة في الحكم. سيتحول أعضاؤها من الاسماء التي "يفتخر" بها ميقاتي الى طرائد سياسية في اوساطهم. فلا مكابرة نبيه بري تمنحهم شرعية، ولا قوة "حزب الله" المسلحة تزيد من شعبيتهم، ولا موقع النظام في سوريا يحصنهم عربيا ودوليا. وبالتالي فإن "الحكومة المسخ" ستكون حكومة مطلوبين للعدالة، ومطاردين في العالم، فضلا عن انها ستكون حكومة القهر والقمع في زمن عربي تسقط ديكتاتورياته الكبرى، وينفخ الرعبَ في تلك شمُّ رياح الحرية.
امام نجيب ميقاتي خيار من اثنين: ان يعتبر مما رأته عيناه يوم الاحد، فيتواضع ويعلن أنه لن يكون رئيسا لحكومة مطلوبين، ولا رئيسا لحكومة "حزب الله" وسوريا في لبنان. او ان يواصل مسار التعامي عن الحقائق وتحدي مشاعر الناس ليكتشف ان الارض تهتز من تحت قدميه.
ان هوامش نجيب ميقاتي ضيقة جدا، فهو ليس وليد جنبلاط، الذي في وسعه ان يعود عن تموضعه مع "حزب الله" ضد الاستقلاليين، فمكانه كان في صدارة "ثورة الارز"، وسيبقى، بعزم أبناء جبل كمال جنبلاط وتصميمهم ووفائهم.