#adsense

الراعي بطريركاً

حجم الخط

أياً كان المطران الذي توافَقَ مجلس المطارنة الموارنة على انتخابه بطريركاً، فإن من الطبيعي أن يكون موضع ترحيب. ومن الطبيعي أيضاً أن تغدق عليه أوصاف الإشادة والتكريم. غير ان بشارة الراعي يستحق ذلك كله. وأكثر. وذلك لسببين أساسيين:

السبب الأول داخلي، وهو ان المطران بشارة الراعي كان رائداً من رواد العمل من أجل الوحدة بين المسيحيين، ومن اجل الوحدة بين اللبنانيين. خبرتُ ذلك شخصياً في عام 1993 أثناء الإعداد للسينودس من أجل لبنان.

فبعد موافقة المرجعيات الإسلامية (دار الفتوى والمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى ومشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز) على قبول دعوة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني للإشتراك في السينودس بتشجيع من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تشكلت لجنة ثلاثية من المطران بشارة الراعي والمطران جورج خضر (عن الأرثوذكس) ومحمد السماك (عن المسلمين). وذلك لوضع ورقة تعكس الرؤيا المشتركة لمستقبل العلاقات الاسلامية المسيحية لترفع الى السينودس.

عقدت اللجنة ثلاثة اجتماعات في مقر المطران خضر في برمانا. في الاجتماع الأول جرى تداول الأفكار بصورة عامة، وفي الاجتماع الثاني قدم كل عضو أفكاراً مكتوبة. وعهد إليّ باعتمادها أساساً لصياغة مشروع الورقة الذي قدمته الى الاجتماع الثالث حيث أقرت بالإجماع. وكانت الورقة الاسلامية المسيحية التي أرسلت الى السينودس.

منذ ذلك الوقت تعرفت عن كثب على الثقافة المسكونية للمطران الراعي وعلى إيمانه الشديد بالوحدة المسيحية، وبأهمية التفاهم والتنسيق والتعاون بين الكنائس المتعددة. كما تعرفت على إيمانه القوي بالعلاقات البناءة مع المسلمين والتي لا يقوم لبنان الوطن من دونها. ولقد تجلى ذلك في السينودس الأخير الذي دعا اليه البابا بنديكتوس السادس عشر حول مسيحيي الشرق الأوسط والذي كان لي أيضاً شرف المشاركة فيه. فقد كان المطران الراعي الناطق الرسمي باسم السينودس مما عكس موقعه المحترم لدى الفاتيكان خاصة، ولدى كنائس الشرق عامة.

وكان ذلك أمراً طبيعياً. فالمطران الراعي كان محور النشاطات الكنسية والوطنية التي شهدها لبنان تعاطفاً مع قضايا مسيحيي الشرق، خاصة بعد سلسلة الجرائم التي تعرض لها مسيحيو العراق. وهو السبب الثاني الذي يستحق من أجله الإشادة والتكريم.. والذي تكرس اليوم بانتخابه بطريركاً.

فقبل السينودس، وبعده، قام بالعديد من المبادرات لإلقاء الضوء على معاناة مسيحيي الشرق وعلى خطورة هذه المعاناة على الشرق ذاته بمسلميه ومسيحييه.. وتالياً على وحدة نسيجه المجتمعي ودوره الثقافي والحضاري.

من أجل ذلك فان انتخابه في هذا الوقت بالذات يؤكد على استمرار بكركي في رسالتها الكنسية الرعوية.. وفي رسالتها الوطنية اللبنانية والمشرقية العربية.
لا يعني ذلك انه لو انتخب مطران آخر لكانت الصورة مختلفة بالضرورة، ولكنه يعني أن مجلس المطارنة، تقديراً للظروف الاستثنائية المقلقة التي يمر بها لبنان، والتي يمر بها الشرق الأوسط، أحسَنَ الاختيار.. وعهد الى الراعي بالمهمة التي تنسجم مع إيمانه.. ومع تاريخه.. ومع اسمه.
والله وليّ التوفيق.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل