لا تكف حملايا عن مد لبنان والمسيحيين بذخر من القداسة لا ينتهي، ولم تكتف البلدة الوادعة في جرد المتن بقداسة رفقا وإشعاعها في الكنيسة وبين المسيحيين، حتى زادها خيراً ان يكون البطريرك الماروني السابع والسبعون مار بشارة بطرس الراعي منها، وهي البلدة التي ولد فيها وترعرع بين صخورها وزيتونها وسنديانها على كتف وادي الصليب الذي يروي الاهالي ان القديسة رفقا عاشت فيه اختباراتها الروحية الاولى، فكان ان اختارت الرهبنة طريقاً ورسمت دربها صعوداً.
"مبروك لنا وللبنان"، عبارة رددها اهالي حملايا والمتن بفرح يشع من عيونهم، كيف لا وهو اول بطريرك من المتن في التاريخ الحديث للكنيسة المارونية؟ والقرية الهادئة بكنائسها الثلاث العتيقة ومزاراتها وبيوتها القرميد عاشت لحظات غبطة عارمة بانتخاب البطريرك الجديد للكنيسة المارونية، علماً ان "سيدنا الراعي" هو مرشد رعية البلدة وملاذ اهلها وسكان المنطقة ومحجتهم. ورغم ان كرسي ابرشيته في جبيل، فهو كبير الضيعة والناحية وصاحب الرأي في كل صغيرة وكبيرة، وكلما اختلف اثنان من حملايا والجوار يهرعان الى سيدنا الراعي للاحتكام اليه لحل الخلاف. هو حاضر دائماً في الافراح والاتراح، ويعرف اهالي البلدة فرداً فرداً، كبيرهم وصغيرهم، ويسأل عنهم وعن احوالهم جميعاً، ويحضر المآتم واعظاً ومرشداً وموآسياً الحزانى، كما يبارك الاعراس والعمادات فرحاً ضاحكاً ومرشداً وعراباً للاطفال. وفي حملايا لا معنى لإحياء المناسبات الدينية واحتفالات القديسة رفقا خصوصاً من دون محاضرة منه حيث يجلس جميع الآتين من البلدات والقرى للاصغاء الى حديث شيّق بالعامية حيناً والفصحى احياناً عن الدين والدنيا وشؤون الكنيسة والمجتمع، وقلما يترك الراعي موضوعاً دون ان يتطرق اليه، في لغة شعبية تجمع بين الارشاد الحكيم والنصح والتوجيه بأسلوب سلس ومميز. وتشهد القاعة التي لم ينته العمل على بنائها عند اعلى تلة القديسة رفقا في حملايا سلسلة لا تنتهي من اللقاءات الشعبية بين الراعي الواعظ والرعايا المستمعة اليه، والتي يقدّر عددها بالآلاف على مر السنين.
الحدس الشعبي والعناية الإلهية
في حملايا كان الحدس الشعبي ينبئ الاهالي، ومنذ ان بدأت خلوة المطارنة في بكركي بإمكان انتخاب ابن بلدتهم بطريركاً، لكنهم كانوا يكتمون الامر في قلوبهم خشية عدم تحققه. ويروون في البلدة ان وفداً من الرعية زاره الاسبوع الفائت لدعوته الى رعاية صبحية نسائية من اجل استكمال بناء مجمع القديسة رفقا، ولم تتورع نسوة الوفد بحشريتهم، عن سؤال المطران عن انتخاب البطريرك ومسار الامور، فكان جوابه: "العناية الالهية تتدبر الامر".
لذلك كانت الكلمة الاكثر ترداداً امس في حملايا: "الروح القدس اختار". لكن العناية الالهية لم تردع الحملاويين عن التعبير بفرح عن اعتلاء "سيدنا" سدة بطريركية انطاكية وسائر المشرق، فما ان اعلن انتخاب البطريرك الراعي حتى لعلع الرصاص والمفرقعات في البلدة القابعة بسكون على كتف وادي الصليب الرهيب. وخلال لحظات سرى الخبر مثل النار في الهشيم من منزل الى منزل، واجتمع الاهالي عفوياً في ساحة كنيستي القديس جرجس ومار الياس تحت السنديانات الدهرية، ليبدأ قرع الاجراس والزغاريد وتوزيع الحلوى ونثر الارز على السيارات العابرة في تظاهرة عفوية بالكامل، زادها حماسة حضور وسائل الاعلام المرئي والمسموع وتنطح اهالي البلدة والجوار للادلاء بتصريحات امام الكاميرات للاعراب عن سعادتهم بالحدث الكبير. كيف لا وكلهم يمت بصلة قربى ما الى البطريرك الجديد اما مباشرة واما عبر الخالات والاعمام والاصهرة؟
متطرّف بإيمانه ووطنيته
التجمع الشعبي في ساحة حملايا، كان نجمه الشقيق الأكبر للبطريرك، شكري يوسف مراد الراعي الذي قال انه امضى الوقت مصلياً طوال ايام المجمع في بكركي من اجل انتخاب شقيقه بطريركاً لانه "الرجل القوي والقادر على تبوؤ سدة المسؤولية والنهوض بالكنيسة والوطن". والحشد العفوي انضم اليه النائب سامي الجميل الذي تعود جذور عائلته الى بلدة عين الخروبة المجاورة، وجرياً على عادته، قبل الجميل الجميع وصافحهم، وقال: "اليوم يذرف المسيحيون دموع فرح والمعنويات مرتفعة والفرحة لا توصف".
وتمنّى للبطريرك "التوفيق والاستمرار في التمسك بجرأته من اجل الحق والحرية والسلام في لبنان. ولم ينسَ ان يوجه التحية الى البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، الذي سلّم الامانة "الى شخص نجلّه ونحترمه ونشعر بأننا قريبون منه وجزء أساسي منه (…)".
اما ابن شقيقته الراهب المريمي طوني الراعي فاعتبر وهو يرفع صورة خاله البطريرك ان حملايا زارت الكنيسة مرتين، الاولى مع رفقا والثانية مع بشارة. ووصف ما جرى بأنه "اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب لأن الازمة التي يعانيها لبنان تحتاج الى رجل مثل البطريرك الراعي لانه رجل علم ومعرفة ومنطق وقانون".
واضاف "ان البطريرك الجديد هو رجل الحكمة، ولكل سؤال جواب مقنع لديه". والاهم في رأي الاب الراعي "ان البطريرك الجديد متطرف في وطنيته وايمانه، ولا يحيد عن الحق لانه نشأ على مبادئ القانون الكنسي والمدني، ولن يتحدث الا بكلمة الحق مهما تكن الضغوط والتحديات والمصاعب".
وقال مختار حملايا انطوان ابو شبل: "ليس غريباً على حملايا التي قدمت قديسة للعالم، ان تقدم بطريركاً لكنيسة الشرق، والبطريرك الجديد يعتمد كثيراً على الروح القدس، وهو الذي قرر في نهاية المطاف، على ما قال". وشدد على "ان البطريرك الجديد محب للجميع، واهم الصفات التي يعرفها فيه الاهالي والرعايا هي المحبة والتواضع والتعامل ببساطة مع كل المواطنين".
المنزل الوالدي
وبعيداً عند اطراف وديان حملايا في ناحية خلة الشميس حيث يقوم منزل والد البطريرك وتحوطه الجلول الزراعية واشجار السنديان والزيتون والذي يقيم فيه ابن شقيقه انطوان، اصطفت سيارات الاعلاميين في محاولة للاضاءة على سيرة البطريرك الجديد وتاريخ اسرته. وهناك عرضت عائلة البطريرك صوراً لوالده يوسف بالطربوش التقليدي، واخرى للمطران الراعي مع والدته في حضرة البابا الراحل. فيما كانت امرأة اخرى من العائلة تفاخر بأن الراعي هو من عمد ابنها.
حملايا عاشت في لحظة فرح جميلة لا تتكرر، وحواجز محبة كتائبية انتشرت في بكفيا وانحاء المتن رافعة صور البطريرك الجديد لتوزيع الحلوى على السيارات والمارة احتفاء.
بيار عطاالله
بطريركُ لكل لبنان
مع انتخاب مار بشارة بطرس الراعي بطريركا على انطاكية وسائر المشرق، لا تتردَّد الطوائف المسيحيَّة الأُخرى في مواكبة هذا اليوم الماروني الذي قد يشكِّل منعطفاً إصلاحيّاً جامعاً، لطالما افتقده الموارنة المنقسمون حتى المواجهة، مثلما انتظره لبنان على رجاء القيامة وعودة الروح والالفة والوحدة لوطن مزَّقته الخلافات على المناصب والمكاسب والمسالب.
يوم ماروني لكل لبنان، اغتنمته العائلات الروحيَّة للمشاركة في التهنئة، آملة ان يكون البطريرك الجديد خير خلف لخير سلف، ساعياً بكل جوارحه وما يختزنه من ايمان وصفاء الى لملمة الصفوف، والحفاظ على لبنان النموذج والرسالة سيداً حراً مستقلاً واحداً، والانفتاح على كل لبنان في محاولة جادة لترميم التداعيات والانهيارات التي فرَّقت وزعزعت وباعدت، ولم تبق ولم تذر.
نعم، بالشركة والمحبَّة والانفتاح يُعاد تشريع الأبواب الموصدة، والقلوب المغلقة، والعقول المقفلة، كما يستعيد لبنان بعضاً من زمن الصفاء والانصهار والتعاون بين مختلف الطوائف والانتماءات، حيث استطاع بلد متوسطي يمثّل نقطة صغيرة على خريطة الشرق الأوسط أن ينال إعجاب البابا يوحنا بولس الثاني، وتالياً تقدير المجتمع الدولي وتنويه الشرعيَّة الدولية، واحترام الصالونات والأندية الثقافية والابداع في العالم.
الوطن النموذج الرسالة خسر الكثير من كل ما أُعطي من فرادة وصيغة، حتى بهتت صورته، وتراجعت فرادته، وتداعت صورته.
تماماً، مثلما خسرت الطائفة المدلَّلة التي كانت في الطليعة، وفي كل المناصب، وتكاد تحجب كل الخصائص والمكاسب وتحصرها بذاتها أو بفئة ممن ظنّوا أن مجدَ لبنان أُعطي لهم دون الآخرين. مجده وسلطاته وخيراته وبقراته الحلوب ودجاجاته التي تبيض ذهباً.
حتى انهارت السيبة، وتشلَّعت الخيمة، وتفرقت الصيغة أيدي سبأ.
وواقع الحال، واقع لبنان و"العائلات" التي كانت روحيَّة متآخية متصافية وصارت معسكرة ومتواجهة حتى النزال والمبارزة، هذا كله لا يترك مجالاً لإفاضة في الشرح والاسهاب.
هذا كلُّه، فضلاً عن الهجرة والتشتّت والطلاق مع الوطن الذي لم يمكنوه من أن يصير وطناً، في انتظار الراعي الصالح الذي سيرسم لخراف الطائفة المزعزعة طريق العودة الى الثوابت اللبنانية، والى ذلك الدور الريادي وذلك اللبنان الذي نخرته الصراعات والمزايدات والشهوات المنفلتة، والسباق المستعر الى الكراسي والمناصب والمسالب.
لا يحتاج البطريرك الراعي الى مَنْ يذكِّره بالوهن الذي أصاب الموارنة زرافات ووحدانا، وبحاجة الطائفة الى مراجعة ذاتية شاملة. بل الى عمليّة نقد موضوعي لا يترك شاردة أو واردة. والى ترميم على مختلف المستويات، مع تشديد على وجوب العودة الى الجذور، والقواعد، والتقاليد العريقة والأعراف التي لا تختلف عن النواميس والدساتير.
ليس بالخبز وحده يحيا الانسان. وليس بالسياسة وحدها يحيا لبنان. وليس بالصراع على السلطة يُعطى مجد لبنان. وليس بالحقد وحده تُبنى الطوائف وتُبنى الأوطان.
المصارحة واجب دافعه المحبة أيضاً، وهاجسه الخير. فالبطريرك الراعي رسم من أول الطريق شعار خدمته البطريركية على أساس الشركة والمحبة، "من الكنيسة الى العائلة فالوطن".
في هذا الزمن الصعب، لا يملك اللبنانيّون إلا أن يراهنوا على بطريرك يدرك جيّداً حجم الاهتراء والتآكل الذي أصاب الطائفة – العائلة، وضرب الوطن في رسالته ونموذجه ووحدته.