العاشرة صباح الثلثاء قُرعت الأجراس في بكركي… مار بشاره بطرس الراعي البطريرك الـ77:
«نقزة» لدى العونيين وجمهور 14 آذار هلّل… والجميع تناسى أن الرعية هي مع الراعي
«براد» هي الانطلاق والذكريات وليست الجذور والبطريركية والرهبانّيات والأبرشيّات هي الجذور
بتاريخ 27 شباط 2011، نشرت في هذه الزاوية بعضاً من الرغبات لدى الافرقاء المسيحيين السياسيين، تتمنى وتأمل ان ينتخب لها السادة الاساقفة بطريركاً وفق ما ترتأيه او يلائم توجهها السياسي، ومما جاء في المقالة: «أصبحت جميع القوى السياسية معنية بالانتخابات، وكأنها تنتخب هي أميناً عاماً او رئيساً للحزب او للتيار، فالجميع يعوّل أهمية كبرى للقادم الذي سيعتلي السدة البطريركية، وابرز هذه القوى رئاسة الجمهورية. فرئيس جمهورية لبنان هو الماروني الوحيد في هذا الشرق، وان العلاقة بين بعبدا وبكركي مترابطة، فاذا اشتد ساعد احداهما فان الثانية تقوى وتنشط، والعكس صحيح، وإن لقاء رئيس الجمهورية مع قداسة البابا يضمن هذه الرؤية وبالتالي فان دوائر الفاتيكان الشرقية قدمت لقداسته تصوراً شاملاً عن الأفضليات التي يحبذها الرئيس اللبناني، وفي المعلومات التي تسربت من اعضاء الوفد اللبناني الذي حضر حفلة ازاحة الستار عن تمثال مار مارون في روما، بأن سليمان يرغب بشدة ان يكمل المطران بشاره الراعي ما بدأه صفير، خصوصاً ان لبنان يمرّ بفترة عصيبة في الشرق الاوسط نظراً للتطورات ولما يحصل على صعيد الهجرة المسيحية منه، واعتبرت الأوساط بأنه لو تحققت رغبة الرئيس ستشكل سابقة اولى في تاريخ الموارنة بأن يكون البطريرك ورئيس الجمهورية من منطقة واحدة اي من قضاء جبيل».
وفي الساعة العاشرة من صباح امس الثلثاء، تحققت الرغبات الرئاسية واطمأنت بعبدا الى ان مجد لبنان لا يزال بين أيدي تشكل الاستمرارية للنهج الذي وضعه الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، هذه الاستمرارية ارتاح اليها البعض ونقّزت البعض، خصوصاً أولئك الذين تنفسوا الصعداء عندما استقال أخيراً البطريرك صفير. لكن المفاجأة لم تكن سارة عندما اعلنت وسائل الاعلام اسم البطريرك العتيد، وبدأ هؤلاء يترحمون منذ الآن على السلف، لأن البطريرك القادم لا يعرف تدوير الزوايا وفي قاموسه لا توجد العبارات المنمقة التي كان يحرص صفير على استعمالها في كل حين واثناء المحطات الاساسية، فالندوات الاسبوعية في برنامجه الديني على تيلي لوميار وطلاته الاعلامية عندما تدعو الحاجة والأوضاع الحرجة، تشهد للبطريرك مار بشاره بطرس الراعي بالوضوح وتسمية الأشياء بأسمائها.
يوم أمس ارتاح جمهور 14 آذار وهلّل لمجيء البطريرك الراعي، فأطلق البعض عليه اسم صفير الثاني، وهم يعتقدون خطأ بأن سيد بكركي المنتخب هو من صفوفهم، ولم يقتنعوا يوماً بأن الرعية هي مع الراعي، وانهم المتحركون وبكركي هي الثابت الوحيد، وفي المقابل فإن جمهور التيار الوطني اصيب بالإحباط وكأن الهزيمة حلّت بهم واعادتهم الى مأساة 13 تشرين. فالعونيون أطلقوا في الأمس «التشنيعات» ليظهروا مدى استيائهم من انتخاب «بطريرك قواتي»، وهم كما خصومهم وقعوا في خطأ المواقع وفي سوء التقدير، فأظهروا بشكل واضح أنهم يريدون العداء والخصومة مجاناً قبل أن يعتلي الراعي السدة البطريركية، فالعونيون يعيشون هاجساً بأن بكركي لم تعد ملاذاً آمناً ويعتقدون ان معاناتهم مع البطريرك صفير ستستمر مع خليفته خصوصاً ان بصمات صفير ورغبات الرئيس سليمان ساهمت في إيصال الراعي الى بكركي.
وحده رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يزهو بهذا الانتخاب المبارك، فالرهان الرئاسي على وصول الراعي الى السدة البطريركية قد تحقق وإن «المطران» الراعي كانت له المواقف الواضحة والصريحة عندما قرر الآخرون قضم صلاحيات الرئيس، فطالب بتعديل الدستور الذي تبيّن ان فيه ثغرات عدة، وهو لطالما ردد بأن رئيس الجمهورية هو فوق الجميع وليس رئيس حزب. وهكذا تطمئن دوائر بعبدا إلى أن العلاقة الثابتة والجيدة مع البطريرك صفير السلف سوف تستمر مع الراعي الخلف، خصوصا ان الرئيس هو بأمسّ الحاجة الى المواقع المسيحية القوية كي تدعمه في وسطيته ووفاقيته التي صوّب عليها كثيرون من أهله المسيحيين، فأظهروه رئيساً بين بين لا يقدم على القرارات التي يريدونها او يفضلون ان ينضوي في صفوفهم، وتناسى هؤلاء المسيحيون ان البلاد لا تستوي أحوالها واستقرارها وفق أهواء البعض المتطرفة.
ولأن المطران الراعي كان الناطق الأبرز والوحيد في مواجهة من تجرأ وتناول البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، فان انتخابه اليوم بطريركاً سيجلب له المعارضات من بعض الاطياف السياسية في قوى 8 آذار، فالراعي لم يهدأ طيلة حقبة اسقفيته من التسديد الواضح في كل استحقاق او محطة رئيسية، فهو القائل بان حزب الله اما نعطيه الحق في سلاحه واما فهو يعتبرنا باننا ضده وهو ايدّ مقولة البطريرك صفير عندما قال: «ارفض ان تكون مسلحاً وانا اعزل» ورفض الراعي «تمسيح الجوخ» في الضرورات الوطنية لذلك اعلن بان السلطة السياسية هي التي تتحكم باستعمال السلاح وليس من الطبيعي ان نخلق دويلات داخل الدولة وهذا امر يجب ان ينتهي.
هذا الكلام يقلق قوى 8 اذار وهو محفوظ في ارشيفها، وتعتبر هذه القوى بان ارشيف الراعي لا يتضمن اي عبارة ايجابية من ناحيتنا، وان مضمون تصاريحه لا تتوافق ابداً مع سياستنا، ففي العلاقات السورية اللبنانية انتقد هذه العلاقات وطالب بان تتعاطى الدولة السورية مع لبنان من دولة الى اخرى والخلاف مع سوريا يعود الى العلاقات غير المتوازنة، اما بخصوص المحكمة الدولية فهو يعتبر بان لا عدالة من دون محاكمة.
ولان البعض في قوى8 اذار حاول المسّ بالبطريرك الماروني عبر الاهانات التي وجهت الى الكنيسة والى رأسها البطريرك صفير، رأى الراعي انه بدلاً من ان يتنطح البعض الى كرامة البطريرك كشخص كان عليهم ان يقدموا الحجة والبراهين، واكد بان مواقف الكنيسة ليست انحيازا لفريق ضد الآخر، لكن الذي حصل انه اكثر من مرة اخذت الكنيسة المواقف كانت تستخدمها قوى14 آذار في مواجهة فريق 8 آذار ومرات اخرى استخدمت 8 اذار مواقف الكنيسة في مواجهة 14 اذار، فالبطريرك صفير لا مصلحة له بالانحياز مع هذا الفريق او ذاك. واعتبر الراعي ان الصداقة موجودة مع الجنرال عون، وان الصديق الصدوق هو من يقول لصديقه ما هو جيّد وما هو غير جيّد. ومن يريد ان يرى حجم الاهانات الموجهة الى الكنيسة عليه التوجه الى المركز الكاثوليكي للاعلام.
امس الثلاثاء انتخب الاساقفة الموارنة مار بشارة بطرس الراعي البطريرك السابع والسبعين عن السدة البطريركية، وامس الثلاثاء ذهب كل فريق سياسي مسيحي الى ارشيفه واوراقه لكي يعرف جيداً من هو القادم باسم الروح القدس ليجلس على كرسي مجد لبنان في بكركي، فانفرجت اسارير وانقبضت اخرى، خصوصاً ان قوى14 اذار اطمأنت من خلال التفتيش والقراءة بان البطريرك الراعي لا يقل ثباتاً وصلابة من سلفه البطريرك صفير، فالراعي هو القائل بان لا شيء يمنع الاحتفال بعيد مار مارون في براد – سوريا. لكن اضاف: سمعت كلاماً يحتاج الى تصويب، فنحن لا نقول ذهبنا الى جذورنا، براد هي نقطة الانطلاق وليست الجذور. فالجذور هي تراث بشري، لاهوتي، تاريخي، تنظيمي وليتورجي، وهي جميعاً موجودة في لبنان حيث البطريركية المارونية والرهبنيات والابرشيات وتاريخ الموارنة المحفور على الارض اللبنانية… هذه جذوري، وجذوري ليست احجاراً، ففي براد ذكريات ليس الا.
امس قرعت الاجراس في الصرح البطريركي ايذاناً بانتخاب مار بشارة بطرس الراعي بطريركاً على انطاكيا وسائر المشرق، وان مجد لبنان اعطي للمطران المتقدم بين سائر الاساقفة، وخلال ساعات تزاحم الجميع على الطريق المؤيدة الى بكركي يريدون التهنئة على اعتبار ان القادم هو الحليف والصديق، وتناسى الجميع، مهنئين ومحتجين، بان بكركي وسيدها هما الثابتان الوحيدان فيما الجميع يتحركون ويدورون ويتنقلون عندما تدعو الحاجة والمصلحة والسياسة.
بقلم ابراهيم جبيلي