#adsense

تحديات البطريرك الجديد

حجم الخط

كتب الصحافي شارل جبور:

تدخل البطريركية المارونية مع انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركا مرحلة جديدة تختلف عما سبقها على مستوى الشكل والأسلوب (كون لكل شخص مقاربته وطريقة عمله) لا على مستوى الجوهر والمضمون (ثوابت الكنيسة المارونية)، خصوصا إذا ما أخذت في الاعتبار سيرة هذا الرجل ومواقفه الوطنية من جهة، وحرصه، مخاطبا البطريرك صفير، على "الحافظ على ما تركتم لنا يا صاحب الغبطة من مثل في الحياة"، من جهة أخرى.

وفي مقاربة سريعة للحدث الكنسي المتمثل بانتخاب الراعي بطريركا يمكن تسجيل النقاط الآتية:

أولا: لعل البطريرك الجديد هو من الأشخاص "المعلومين" لدى الرأي العام لا "المجهولين"، وهذا التصنيف بين معلوم ومجهول عائد فقط إلى عامل الظهور الإعلامي في عصر الانترنت والتقنيات الحديثة، إذ في حين يسجل للبطريرك الجديد حضوره الإعلامي اللافت والمكثف يجهل الرأي العام اللبناني القسم الأكبر من المطارنة الموارنة، على رغم قلة عددهم، بسبب غيابهم عن المسرح الإعلامي.

ثانيا: لا يحتاج المرء إلى جهد كبير لتقصي أخبار البطريرك الجديد أو الاستفسار عنه وعن مواقفه، فهو حاضر دائما أبدا وله من كل قضية موقف ورأي، ويكفي العودة في هذا الإطار إلى الأرشيف لاستخراج مواقفه الصريحة والواضحة.

ثالثا: تميز الراعي بجرأته وصلابته ومواقفه الوطنية غير القابلة للتأويل والتفسير لجهة تشديده المتواصل على خيار الدولة اللبنانية ورفضه لأي سلاح خارج إطار هذه الدولة.

رابعا: تفرد الراعي عن سائر المطارنة بقيادته حملة الدفاع عن البطريرك صفير عند كل مرة كان يتعرض الأخير لحملات مسعورة هدفها النيل من مواقفه الوطنية، هذا فضلا عن رفضه التطاول على موقع بكركي.

خامسا: يستحيل تحييد بكركي، مع الراعي، عن الشؤون والشجون الوطنية، وهذا ما سيجعلها تلعب دورها المعتاد على هذا الصعيد من خلال الإعلان عن قناعاتها وثوابتها ومسلماتها.

سادسا: يتمتع الراعي بشخصية منفتحة لا انكفائية، وهو لا يتساهل إجمالا مع كل من يسيء له وللكنيسة.

سابعا: لا يعتبر البطريرك الجديد نفسه معنيا بالانقسام المسيحي أو الوطني الحاصل في لبنان، وهو يتخذ مواقفه انسجاما مع قناعاته بمعزل عن تقاطع هذا الموقف مع هذا الفريق أو تعارض ذاك الموقف مع ذاك الفريق.

ثامنا: يدرك الراعي حجم المسؤولية التاريخية الملقاة عليه من الحفاظ على الإرث البطريركي الضخم إلى مستقبل المسيحيين في لبنان دورا وحضورا ورسالة.

تاسعا: يشعر الراعي من تلقاء نفسه بحجم التحدي المتمثل بخلافة البطريرك التاريخي مار نصرالله بطرس صفير، وهذا ما سيجعله أمينا على انجازت سلفه من جهة كون "الحكم" استمرارية، وحريصا على أن يطبع عهده بما يميزه عن سلفه من جهة أخرى.

عاشرا: يفتح انتخاب بطريرك جديد الباب أمام إطلاق ورشة ودينامية ولا سيما على مستوى مأسسة الكنيسة.

حادي عشر: إن "سن" البطريرك الراعي يجعله بطريركا لحقبة طويلة وليس بطريركا انتقاليا، وهذا ما يجعله في موقع قوة لا ضعف.

ثاني عشر: نشأت بين ميشال سليمان وبشارة الراعي علاقة ممتازة كون الأول متحدرا من جبيل والثاني عين مطرانا لأبرشية جبيل منذ العام 1990، ولعل انتخاب الراعي سيمتن هذه العلاقة بين الرئيس والبطريرك، وهذا ما سيزعج ويقلق من وضع نفسه باستمرار في مواجهة الموقعين الروحي والزمني للموارنة.

لقد نجحت الكنيسة المارونية في إثبات قدرتها على تداول السلطة داخلها بشكل سلسل وهادئ وديموقراطي، وهذه المسألة ليست تفصيلية كما يظن بعضهم، إنما هي في غاية الأهمية، لأن الكنيسة في نهاية المطاف هي جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، وللمطارنة أو رجال الدين عموما طموحات مشروعة على غرار أي انسان في هذا العالم، وهم يحققون ويترجمون هذه الطموحات داخل مؤسستهم الكنسية، هذه الكنيسة التي أدارت بجدارة عملية انتخابية لأكثر من مرشح أفضت حصيلتها إلى انتخاب المطران الراعي بطريركا من دون أن تشهد انقساما أو شرذمة في صفوفها، لا بل خرجت من هذا الاستحقاق أقوى مما كانت عليه.

ولا شك أن البطريرك الجديد الذي يتمتع بكاريزما شخصية ودينامية لافتة وحيوية ظاهرة ويحظى بشعبية واسعة داخل طائفته، يدرك حجم المسؤوليات والتحديات الملقاة عليه ولعل أبرزها:

أولا: كيفية استكمال مسيرة السيادة والاستقلال: فالبطريرك صفير كان من أبرز المساهمين في محطتي إخراج لبنان من الحرب الأهلية بتظليله وثيقة الوفاق الوطني، وإخراج الجيش السوري من لبنان، وما على البطريرك الجديد إلا استكمال هاتين الخطوتين عبر تثبيت السيادة التي ما زالت منتهكة بفعل سلاح "حزب الله"، وذلك بغية العبور إلى الدولة.

ثانيا: كيفية إرساء قواعد العيش المشترك على أسس ثابتة وصلبة: فالبطريركية المارونية كانت وما زالت رائدة العيش المشترك في لبنان والعالم العربي، فهي أول من رفض مشروع دولة للمسيحيين في لبنان ولعبت دورا طليعيا إن في تعزيز التفاعل والتواصل بين الجماعات اللبنانية أو في كسر حواجز الخوف بين بعضهم بعضا ولا سيما بعد الحرب الأهلية ومصالحة الجبل في آب 2001 هي أكبر مثال على ذلك.
ثالثا: كيفية توحيد الجهود المسيحية: فالمطلوب في هذا السياق توحيد الجهود وليس الصف المسيحي، والمقصود بالجهود جعل المسيحيين على اختلاف مشاربهم رواد المشروع السياسي الذي كانت الكنيسة المارونية السباقة في حمله والدفاع عنه والمتمثل بلبنان، باعتبار أن مبرر وجود هذا البلد هو الحفاظ على العيش المشترك، وأساس هذا العيش المشترك هو الحرية، ولا حرية في ظل وجود سلاح "حزب الله"، هذا السلاح الذي يحول دون انجاز الاستقلال وتحقيق السيادة وتثبيت الاستقرار وقيام دولة.

لم تحظ كل مواقف البطريرك صفير بترحيب من "14 آذار"، ولكنها لم تتهجم يوما على البطريرك احتراما منها لشخصه وموقع بكركي، ولا بل كانت تتفهم دوما هواجسه وتعمل جاهدة على تبديدها، لأنه بعرفها يأخذ البطريرك مواقفه من موقع وحرص وطنيين، وهذا ما يتقاطع مع ما يردده البطاركة باستمرار بأن "الثابت هي بكركي والمتحول هم البطاركة".
لعل الفرحة التي تعم القلوب بانتخاب بطريرك جديد والدعوات الصادقة له بالنجاح في مهمته لن تنسي أحدا الدور التاريخي لبطريرك الوفاق الوطني، لأن الوفاق هو المدخل للسيادة والاستقلال، فألف تحية وتحية للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

وتأسيسا على ما تقدم، أمام الكنيسة ورشة كبرى من تحديث وتطوير ومأسسة وتزخيم لنشاطها وعملها في إطار نهجها وخطها الوطني الانفتاحي في الداخل وعلى مستوى المنطقة والعالم، ولكن أمامها أيضا مسؤولية المساهمة في ورشة بناء الدولة اللبنانية من أجل بناء بلد قابل للحياة وتحويله إلى الرسالة المرتجاة.

شارل جبور- دائرة التحليل السياسي – المركز اللبناني للمعاومات- لبنان

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل