يستحق الأمر التوقف عنده بعض الشيء، حتى وإن كان في ذلك تكرار لحكي عن مقام ما عاد في حاجة إلى أي إضافات.
منذ موقعة 13 آذار، ازداد الهيجان الممانع هيجاناً.. وازداد في موازاته حجم الضوء الملقى على مفارقة غريبة (وكل مفارقة غريبة حكماً) مفادها حاجة المسلح حتى أسنانه إلى واقٍ شفّاف لحماية تلك الأسنان! أو حاجة التنظيم الحديدي إلى سواتر ورقية لمحاولة الدفاع عن منطقه وسلاحه وممارساته وحديده! بعد أن استنفد، أو يكاد، العدّة الإعلامية المرصوصة والموضّبة بالصف من دون أي تلوينات أو إضافات أو استثناءات أو ابتكارات بحيث بدت تلك وكأنها جزء متمم لتلك الماكينة التي لا تمشي إلا بالدفش، ولا تسير إلا بكل ما هو غير طبيعي!
عدّة متكاملة غفلت عن بساطة البيان والبلاغ في عالم اليوم. وغفلت عن أحكام جليلة متوارثة أباً عن جدّ في دنيا العرب والعجم منذ أن كانوا، تقول في الإجمال ما معناه إنّ الكذب حبله قصير، عدا عن كونه ابن للغباء. وأنّ التزوير رديف للفشل. وأنّ الذكاء وليد للقوة، فيما التذاكي مركون في خانة الاحتيال. وذلك أداء ملازم للضعيف في حجّته ومنطقه وبيانه ومقامه، ولا يستقيم مع بيان الإنجازات والانتصارات السابقة، أو تلك الواعدة بتغيير خارطة أمم وأقاليم وقارات بأمّها وأبيها!
لا ينفع التوصيف الأوّلي الخاص بالمكابرة لاختصار حالة متشعّبة إلى ذلك الحد. والواقع الفاقع هو أنّ الممانعين في بلادنا صاروا في حاجة ماسّة وفعلية إلى فترة استرخاء، أو خلوة فكرية سياسية مغلقة، يُصار فيها إلى درس ومراجعة المواقف والأداء والخطاب والبيان والأهداف، ثم العودة بعد ذلك للظهور على الناس بأداء مقنع يوازي، أو لا يقلّ علواً عن المخازن الداعمة لذلك الأداء!
ليس طبيعياً على الإطلاق الإصرار على قصة شروق الشمس من قبرص! والإصرار على الحَوَل وعدم "رؤية" ما جرى في 13 آذار على حقيقته! وليس طبيعياً على الإطلاق أن يحتاج بيان الممانعة والمقاومة المتصدّي لمهام وجودية ومصيرية إلى شتّامين بالقطعة لتسويق مواقفه! وإن تصرف كل تلك القدرات والإمكانات والأموال والأوقات من أجل تسويق أوهام في سوق مليئة بالحالمين أصلاً وفصلاً، أو محاولة تسويق كذبة بائسة أمام شكّاكين بكل شيء! وليس طبيعياً على الإطلاق أخذ الفرع وترك الأصل، أو أخذ الناس بالمفرّق ثم ادعاء النطق بالجملة، أو الاستمرار في تصديق مقولة عدم الحاجة إلى الإجماع فيما الصراخ لا يتوقف عن مخاطر التشظية والتفتيت والفتن المذهبية والطائفية ووصم الآخرين دائماً بالعمل من أجلها!
… تنتشي الخطايا وتضمر الأخطاء. وجلّ الأولى من النوع الذي لا يمكن غفرانه. كما لا يمكن التغاضي عنه.. كما جلّه مركزي خطير وعميق الأثر راهناً ومستقبلاً، خصوصاً تلك الخطايا الآتية من إقامة دائمة في كتاب التاريخ وفي صفحاته السود.. وكأنّ البعض استساغ لغة القطع والفصل والإغلاق، وانتشى بذاته، وما عاد مستعداً أو قادراً على فتح الشبابيك أمام هواء آخر يحمل معه لغة مختلفة فيها وصل وانفتاح وتواضع شبيه بتواضع تلك السنابل المليئة التي تنحني تحت وطأة قوّتها ولا تنكسر.. أو كأنّ ذلك البعض استساغ الإقامة على وهم القوة مفترضاً ديمومة لا تنحصر إلا بربّ الدنيا، فيما هذه الدنيا تعطي كل يوم ألف مثال وأكثر على "فلسفة العبور" من ضفّة القوّة إلى جورة الضعف، ومن منصّة السلطة إلى خانة النسيان، ومن كراسي التجبّر والتكبّر إلى زوايا الخنوع والإذعان!
أي أفق يحمله مشروع القطع والفصل والعزل.. الموهوم بقدرة سلاحه على استبدال الوهم بالحقيقة، والتفتيت بالإجماع والتنافر بالائتلاف، والفتنة المذهبية بوحدة الصف والمدرسة والتاريخ والجغرافيا؟ وأي أفق لذلك المشروع الواعد بالخراب أينما حلّ والمتوسل ذلك الخراب بحثاً عن موطئ قدم أو شعاع نفوذ أو سيبة مصالح خاصة؟!
ثم بعد ذلك، أو قبله لا فرق، أي أفق يحمله ذلك المشروع طالما أنه صار يحتاج إلى كل ذلك الضجيج المُخِجل لتغطية فضائح خطاياه وفي أولها وأساسها رفض التسوية، ثم الاستمرار في سياسة تحوير الجغرافيا بحيث تصير كريات شمونة في بيروت ومسكافعام في طرابلس؟!