في إحدى الجلسات الخاصة، دعا رئيس الجمهورية أحد زوّاره للنظر مَليا إلى المكتب الرئاسي، وقال: أترى هذا القلم؟ طالما أنه لم يفرغ من الحبر، طالما سأبقى أمسك بالتوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة. وخرج هذا الزائر، كما معظم من يلتقون الرئيس سليمان، بانطباع أن الرجل قرر خوض مواجهة فاصلة للدفاع عن اهم وأبقى ما أعطاه إيّاه اتفاق الطائف وما أعطاه لموقع الرئاسة الأولى، ألا وهو حَق التوقيع على ولادة هذه الحكومة وكل حكومة. وتبدو معركة الرئيس سليمان، وكأنها تخاض على ميدان لم يَختر فيه شكل المنازلة ولا هوية الخصوم، فالخصم الأول الذي جاهر بخوض هذه المعركة، أي العماد عون، كان هو الذي حدد توقيتها وأدواتها، وذلك بعد لحظة حاسمة تمثلت بإسقاط حكومة الحريري التي كانت تتناغم مع رئيس الجمهورية، ويتناغم معها ولو من تحت الستار للحد من مخاطر انقلاب كان يراه آتيا لا محالة. وعنوان هذه المواجهة كما بات معروفا يتلخص بعد سقوط الحكومة الحريرية، في البدء بمحاصرة سليمان في عقر صلاحيات الرئاسة الأولى، من خلال قضم حصته الوزارية، بحيث يتحوّل تدريجيا إلى شاهد على انتقال غير سلس للسلطة، في مرحلة يتم فيها إداريا وسياسيا التحضير لتنفيذ انقلاب كامل، يبدأ بموضوع المحكمة الدولية ويمرّ بالتعيينات الإدارية، ولا ينتهي بمحاولة تمرير قانون انتخاب مفصّل لتأمين فوز جاهز للأكثرية الجديدة في الانتخابات النيابية المقبلة. ولعل أكثر ما يستغربه مقرّبون من رئيس الجمهورية، أن يوجّه العماد عون صاحب النظرية التاريخية باستعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية التي سلبها إيّاها الطائف، كل جهده في اتجاه إفقاد الرئاسة ما تبقى لها من صلاحيات، وأبرزها صلاحية التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة، ويستغربون أيضا كيف لم ينتبه عون أو أي من المحيطين به الملمّين بالقضايا الدستورية إلى أن الحملة التي يَشنّها لحرمان رئيس الجمهورية من حق وجود وزراء مؤيدين له داخل الحكومة، بذريعة عدم وجود نص دستوري، لم يُعممها لتصل إلى رئاسة الحكومة، وبدا وكأن عون الذي قبل بحصة وزارية لرئيس الحكومة (السني) من دون وجود نص دستوري، يضع نصب عينيه تكبيل رئيس الجمهورية (الماروني) في مجلس الوزراء، عبر محاربته في الصلاحيات المتبقية والأعراف المستجدة التي تعزز موقع رئاسة الجمهورية ودوره. وإذا كان العماد عون يتصرف إزاء رئيس الجمهورية وكأنه يثأر لدَين قديم، فالأرجح ايضا ان عون ينظر حينا الى الماضي بروح انتقامية، عقابا لمَن سَلبه كرسي الرئاسة الأولى، ويتطلع حينا آخر إلى المستقبل القريب ويضع أمامه أهدافا للتنفيذ، تبدأ من محاولة إحراج رئيس الجمهورية ربما لإخراجه، وتمر عبر محاولة نيل مواقع النفوذ داخل السلطة التي تؤهله لخوض الانتخابات المقبلة، بشكل يعوّض فيه عن استمرار النزف في التأييد الشعبي، وتنتهي باستثمار كل ما وظفه من استثمارات سياسية سواء في تحالفه مع حزب الله او في علاقته الحارة مع القيادة السورية لاختتام الرحلة الطويلة بالانتقال من الرابية الى بعبدا. واذا كان للعماد عون الحق نظريا بأن يحاول إزالة آخر العقبات التي يعتقد أنها تقف بينه وبين الوصول الى قصر بعبدا، فإن مشهد صراعه مع رئيس الجمهورية يبدو عن بعد، أقرب إلى مشهد فيه الكثير من الغرابة والتناقض، فالعماد عون في تعجّله للإطاحة بالرئيس، لا يُمانع في أن يطيح بالقلم الذي يوقع ويشهد على آخر صلاحية حقيقية فاعلة لرئاسة الجمهورية، أيّا مَن كان الجالس على كرسي بعبدا.
بين سليمان وعون… قلم
المصدر:
صحيفة الجمهورية