تحقيق نالسي جبرايل يونس: إنها من المرات النادرة التي تشهد فيها البطريركية المارونية انتخاب احد الرهبان لترؤس السدة البطريركية•• في الوقت الذي كان ينتخب فيه البطريرك على ما جرت عليه العادة من كهنة الرعايا وليس من المؤسسات الرهبانية، حتى ولو كان هذا الراهب قد ترقى الى درجة الأسقفية•
البطريرك بشارة بطرس الراعي (واحد وسبعون سنة) ينحدر من قلب الرهبانية المريمية، خطا خطواته بثبات الروح القدس في قلب الرهبنة والكنيسة حاملاً البشارة من بلدته حملايا المتينة الى الرعايا التي دعته الخدمة الرهبانية الى الاهتمام بها ومحطتها الأخيرة ابرشية جبيل المارونية التي عاش فيها اثنين وعشرين سنة• حيث كان يقيم شتاء في مطرانية عمشيت وصيفاً في مقر المطرانية في لحفد في وسط قضاء جبيل•
الراعي، نسر من نسور الكنيسة المارونية، عرفه الجبيليون واللبنانيون ومجلس الأساقفة بصراحته ومحبته للحوار والنقاش، هو الذي كان يزور رعايا بلاد جبيل اسبوعياً منتقلاً من رعية الى أخرى ناشراً البشرى السارة، يفرح مع الفرحين ويبكي مع الباكين من الأفراح والأحزان والمناسبات كافة• وكانت محطات الراحة في المطرانية، وقفات للتفكير ونشر الكتب الدينية والمحاضرات•
المطران الراعي يعرفه المسيحيون جيداً من خلال البرنامج التليفزيوني الاسبوعي على محطة <تيلي لوميار> والذي يحمل اسم <بشرى الراعي> تطرق خلاله على ضوء تعاليم الانجيل الى الواقع الاجتماعي والسياسي والمعيشي، كما وله مؤلفات دينية عدة تتناول الاسرة المسيحية•
وقد حاز الراعي على احترام الحبر الأعظم البابا بنديكتوس السادس عشر، كما كان على علاقة جيدة بالمثلث الرحمة الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني• وقد عيّنه الفاتيكان في مناصب عدة بينها منسق سينودس الأساقفة الخاص بلبنان وعضو في المجلس البابوي <قلب واحد> وعضو في المجلس البابوي لراعوية المهاجرين والمهجرين والسياح واللاجئين، كما عضواً في المجلس الحبري لوسائل الاتصالات الاجتماعية•
البطريرك الراعي، جمعته علاقة متينة بالرئيس ميشال سليمان، جاره في عمشيت، حيث ان المطرانية في جبيل لا تبعد إلا أمتاراً عن منزل رئيس الجمهورية الذي عايشه الراعي منذ تولي العماد سلمان قيادة الجيش• وقد رافعته في صلواته الدائمة خلال قداساته الاسبوعية• وكانت له المواقف المؤيدة للجيش اللبناني، في اعياد الجيش السنوية التي تحتفل بها عمشيت اول آب•
الراعي كان يأسف دائماً الى المرحلة التي وصلنا اليها والتي اصبح فيها رئيس الجمهورية حزباً في الدولة نعطيه حصة او لا نعطيه، لافتا ان رئيس الجمهورية فوق الجميع وليس رئيس حزب وهو يريد ان يحمي البلاد من الانجراف في المحاور الاقليمية والدولية• وشدد الرأي مراراً الى ضرورة <إْعادة تعديل الدستور في ما يخص صلاحيات رئيس الجمهورية التي لا تأخذ من احد شيئاً، بل تمكن رئيس البلاد من ان يحميها من كل التهورات التي يمكن ان تحصل>•
وفي موضوع إلغاء الطائفية السياسية يقول الراعي: <بوجود المال والسلاح سيكون البديل عن إلغاء الطائفية السياسية الدولة الاسلامية>••• <إن ثقافة العيش معاً والانفتاح على الآخر والتعددية في الوحدة تجاوزت الحرب في لبنان، وبالتالي فإن هذه الحركة الكبيرة في الشرق بحاجة الى وعي وإدراك>•
مواقف للتاريخ
وكان للبطريرك الراعي مجموعة مواقف غداة التجمع المسيحي في بكركي في تشرين 2010 وفي مواقفه حول وثيقة الوفاق الوطني، يقول الراعي: <إن الدستور الذي عُدّل على اساس وثيقة الوفاق الوطني لم يطبق لا بل يخالف نصاً وروحاً وذلك لا يبني أوطاناً>•
وفي مسألة التعايش، يقول: لا مشكلة للمسيحيين مع السنّة والشيعة•• ومن الضروري ان يكون المسيحيون عنصر سلام ووفاق ولقاء بين السنّة والشيعة ويرفضون الانزلاق في الصراع الاقليمي والدولي سنّي – شيعي•• خصوصاً ان وراء هذا الصراع مخططات بدأت في لبنان منذ العام 1975•
ويضيف: أخي المسلم يعطيني الأمان وانتظر من المسلم ان يعطي الامان أخوه المسيحي• نحن أمام صراع عالمي (العلمنة) التي تنكر الدين والقيم وعلاقة الله بحياة البشر•• ونحن مدعوون مسلمين ومسيحيين لمعرفة دورنا وإتخاذ موقف بعيداً عن سيرة الأديان والمذاهب•
وفي الحملات على رئيس الجمهورية يقول: إن التعطيل ليس ضد الرئيس سليمان إنما ضد لبنان وقيام الدولة والدستور•• رئيس الجمهورية هو رمز وحدة لبنان والرئيس سليمان ليس متحيزاً•• والاوطان لا تبنى بالتشكيك والإهانات المتبادلة انما بالمشاريع الانمائية•
وعن بكركي يقول: بكركي مرجعية وطنية بامتياز تاريخياً ولا أحد يستطيع الغاءها لا في الخارج ولا في الداخل لأن التاريخ صنعها•
وفي واقع السلاح يقول: نؤيد استراتيجية دفاعية مشتركة بمعنى أن يكون السلاح الموجود بيد حزب الله تحت إمرة السلطة السياسية مثل الجيش••• ندعو إلى تنظيم العمل للوقوف امام الخطر الكبير الذي يهددنا••• ونرفض في المقابل التهديد بالسلاح••• ومن الضروري ان يكون السلاح تحت امرة السلطة السياسية (حديث اذاعي إلى صوت لبنان/ 6ت 2010)•
وكانت للمطران الراعي مواقف ثابتة في العمل السياسي في لبنان انطلاقاً من تعاليم الكنيسة وخصوصية لبنان• وقال الراعي اثر تقديم <شرعة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وخصوصية لبنان> أن الشرعة ولدت خلال رياضة روحية بين البطريرك صفير والاساقفة تخللتها زيارة للسفير البابوي آنذاك لويجي غاثي وانطلقت من توصيات المجمع البطريركي في نصه التاسع عشر والذي حمل عنوان <الكنيسة المارونية والسياسة> استناداً إلى الخلل الحاصل في الحياة السياسية في لبنان التي بدأ تنحرف عن غايتها• ولا بدّ من تصويب الضمائر وبحث مشاركة المسيحي في الحياة السياسية ومبادئ مفهوم التعاطي السياسي الصحيح لأجل الخير العام (قصر المؤتمرات ضبية 5 آذار 2009)•
بين 14 و8 آذار
وفي انقسام البلد بين الرابع عشر والثامن من آذار يقول الراعي: الانتظار اصله التحالفات الانتخابية النيابية كما القوانين في لبنان• وأمام هذا الصراع السياسي يريدون الكنيسة أن تكون بجانب كل طرف من طرفهم، ولكن الكنيسة لا تأخذ طرفاً لا مع هذا ولا مع ذاك، بل طرفها واحد هو لبنان والخير العام والمصلحة العامة والعيش المشترك وقيمة لبنان وكرامته• وعندما تقول الحقيقة كما هي ينزعج طرف وطرف آخر يهلل••• إنما الكنيسة لا تتلون بلون، لونها شعب لبنان من دون تفرقة، لا بالدين ولا بالثقافة وهي حريصة على الهوية اللبنانية التي رافقت تاريخها وعمر البطريركية من الف وستمائة سنة في هذه الأرض اللبنانية• ومشكلتنا في لبنان ان الخير العام يأتي بالدرجة الثانية••• والبطريركية المارونية هي لسان حال الكنيسة كمرجعية وطنية يعود اليها المسلمون والمسيحيون، تتكلم عن سيادة واستقلال وحرية لبنان والعيش المشترك الاسلامي – المسيحي والديمقراطية والحريات العامة•••
هذا خط بكركي، ولهذا سمي بثوابت بكركي وليست مضطرة ان تتدخل لأنها مرجعية وطنية•
وعن الانقسام المسيحي يقول: الكنيسة ليست طرفاً مع أحد، وليس من مصلحتها أن تكون طرفاً• لكن الفرقاء ينظرون إلى مصلحتهم•
وعندما تلتقي الكنيسة بالطرح الوطني مع الرابع عشر من آذار، يقولون هي مع أميركا وأميركا مع إسرائيل• وإذا التقت مع الثامن من آذار، بشي طرح، يقول الرابع عشر من آذار، الكنيسة مع سوريا•
وإذا بقينا متشبثون في مواقعنا، البلد يخرب اقتصادياً وسياسياً ويتعطل• والأولوية هي في إعادة الحياة الطبيعية للمؤسسات الدستورية••• إذ كيف نعطي ضمانات من دون حياة دستورية•
نحن ككنيسة نؤيد حكومة وحدة وطنية، نحن نؤيد قانون انتخابات نيابية على الأقضية، نحن نؤيد عودة المهجرين، نحن نؤيد الانصاف في الوظائف العامة بين مسلمين ومسيحيين••• الثلث المعطل في لبنان غير مقبول••• لبنان قائم على التوافق والتنوع••• هل المعارضة هي معارضة إلى الأبد وهل الموالاة هي موالاة إلى الأبد؟•
وإذا كان لا بدّ من ثلث ضامن ليعط لرئيس الجمهورية• وعلى الجميع أن يعلم أن لبنان ليس موالاة فقط ولا معارضة فقط، وهناك أكثرية ساحقة صامتة تريد قرارات حياتية••• ولا معنى للعمل السياسي أياً كان إذا لم يكن في خدمة الخير العام•
البطريرك يحمل الصليب وراء يسوع، ونحن نرجو أن يحترمه الجميع وأن يعرف انه من أجل الجميع يحمل هذا الصليب••• ولا فرق عنده بين واحد وآخر، ولا منفعة للبطريركية أن تعادي أحداً أو أن تُعزّز واحداً دون آخر•
العلاقة مع عون
وعن علاقته مع العماد ميشال عون، يقول الراعي: بيني وبين الجنرال عون صداقة عميقة وطويلة، وقد يخلق الإعلام حساسيات••• وأنا أدعوه Mon General•
لكني أرغب أن لا يفاوض باسم حزب الله وباسم أمل الجنرال عون••• لماذا يفوّض الجنرال؟ الثلاثة يجب أن يفاوضوا••• لبنان لا يحكم بمارونية سياسية ولا بشيعة سياسية، لبنان يحكم بالثقة المتبادلة وبالتعاون بين كافة طوائف الشعب وهذه هي قيمة لبنان، حيث التساوي بين المسلم والمسيحي والحريات مكفولة لكل شخص دون النظر إلى دين أو ملّة• (قناة الجزيرة 1/1/2008)•
وقد سجل البطريرك الجديد مواقف حادة في مفاصل وطنية هامة• ففي فترة تعطيل الانتخابات الرئاسية أعلن الراعي أن لسوريا دوراً أساسياً ومعروفاً في تعطيل انتخابات رئيس جديد للجمهورية في لبنان• وكل الوساطات الدولية تجري معها، لافتاً إلى أن سوريا ربما لا تزال تحلم وترغب بالعودة إلى لبنان الذي ربحت الكثير سياسياً واقتصادياً من وجودها فيه على مدى نحو ثلاثين عاماً، وقال: <إذا طلبوا منها العودة الآن إلى لبنان لرجعت ركضاً•••>، إلا أنه سجّل مواقف أخرى جاء فيها: <إنهم يكرّموننا كثيراً عندما نذهب إلى سوريا كانوا يستقبلوننا جيداً••• والعلاقة بين المطارنة والقيادة على أحسن حال وهناك حفاوة لنا>•
وكانت للراعي انتقادات لاذعة لرئيس مجلس النواب نبيه بري في الفترة التي تم فيها إقفال المجلس النيابي حيث قال: <لا يحق للرئيس بري أن يُقفل مجلس النواب، لأن هذا طعن بكرامة اللبنانيين وإهانة كبيرة جداً للأمة اللبنانية وللنواب الذين يحضرون بناء على موعد ولا يصار إلى انعقاد جلسة••• ونسأل: لماذا يختزل الرئيس بري البرلمان•••؟>•
وقبيل أيام من انتخابه بطريركاً جاء في جريدة <الجمهورية> مقال للمطران الراعي، ورد فيه تعليقاً على الأزمة اللبنانية: <أزمة تأليف الحكومة متواصلة وشد الحبال بين الرابع عشر والثامن من آذار، وبين السنّة والشيعة متفاقم، أما النتيجة فمزيد من الشلل والتعطيل والبغض والأحقاد، وفي المقابل سعي لبناني ودولي رسمي، تابع لمطلب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى جعل لبنان مركزاً عالمياً لحوار الحضارات، من جهة، وسعي إلى <دعاة إسقاط النظام الطائفي> في لبنان، الى الفصل بين السياسة والدين، وبين الدين والدولة، فلا تكون هناك دول دينية تحكم وتتحكم باسم الدين، من جهة أخرى• لقد دعا السيّد المسيح الى هذا الفصل عندما قال: أعطوا ما لقيصر لقيصر (الدولة) وما لله لله (مرقس 17:12)• وفي شأن كلمة الله أن تلهم كل مسؤول وتغنيه بالقيم الروحية والخلقية لكي يحقق العدالة والسلام، ويعمل على تغيير الواقع الى ما هو أفضل بانقلاب المقاييس في الحكم وخطوط التفكير ونقاط المصالح ومصادر الاستيحاء وأنماط الحياة المنافية لكلمة الله والتصميم الإلهي للخلاص• وهذه الثلوج التي تكلّل ببياضها جبال لبنان وتكشف جبينه الطبيعي الناصع، هي كلمة من كلمات الله التي تدعونا الى بياض القلوب ونقاء النيات وجمال النفوس>•
وفي جوجلة للآراء والمواقف حول البطريرك الراعي، يُجمع الكل ويتطلّع الجميع إلى ما يختزنه البطريرك الراعي من قدرة على الحوار والإيمان به، ليكون عهده عهد الحوار والشراكة والمحبة لرفعة الوطن وعزّته، وإعطاء الكنيسة المارونية رونقها في الشرق وردّ علاقة المسيحيين مع محيطهم إلى مسارها الطبيعي وتوحيد المسيحيين كمدخل لتوحيد اللبنانيين