مسألة أيّام معدودة ويجد غبطة البطريرك الراعي نفسه أمام الإستحقاقات الكبرى التي يعرفها، دون شك، وقد خبرها من خلال مسؤولياته الكنسية التي لم تقتصر على دوره الرعوي في أبرشية جبيل المارونية، بل أيضاً في المهام الإعلامية التي أوكلت اليه وجعلته على إحتكاك يومي دائم مع القضايا والأزمات والمسائل والمشاكل الماسّة في لبنان.
إلاّ أنّ مقاربة هذه الأمور من موقع البطريركية غيره من موقع الأبرشية. والموارنة، عموماً، الذين يعرفون غبطته عن قرب أو الذين سمعوا عنه يأملون أن تكون مقاربته متسّمة بالجرأة والطليعية والحداثة وهو ممّا يعرف عنه في أي حال.
ولقد تكون المسألة الأكثر إلحاحاً التي تشكّل التحدّي الأكبر لغبطته هي: مصير المسيحيين في هذا الشرق، انطلاقاً من مصيرهم في لبنان. أحد كبار رجال الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية قال لنا ذات زمن (أواخر العام 1985) إذا سقطت المارونية في لبنان ستسقط المسيحية في الشرق، بعدها، بما يتعدّى العشر سنوات. والبعض يعتبر أن المسيحية والمارونية تحديداً سقطت في لبنان مع سوء تطبيق إتفاق الطائف، أو بسبب عدم تطبيقه، أو ربّما بسبب إقرار التعديلات الدستورية بموجبه… وبالتالي فقد إنهارت المسيحية المشرقية عموماً، تباعاً، بعد ذلك، وهي تواصل إنهيارها وهو ما نشهده، ونلمسه ونراه في معظم بلدان المنطقة التي يتواجد فيها مسيحيون.
هذا التحدي الكبير الذي يواجه غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لا يستطيع شخص بمفرده أن يتصدّى له… فلقد إقتضى الأمر مجمعاً مسكونياً (السينودس من أجل لبنان) في التسعينات، وسنوات من الشغل على أيدي علماء وملافنة ومفكرين وإختصاصيين في مختلف شؤون الحياة حتى تمّ التوصل الى »الإرشاد الرسولي« في حبرية البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي لحمته وسُداه:
أيها المسيحيون أنتم جزء من المنطقة فعيشوا هذه الحيثية بصدق ووعي ومسؤولية تجاه اخوانكم في المواطنية.
ولكن كيف يكون ذلك؟
لابدّ من برنامج تنفيذي رؤيوي تتولاه مؤسسة وينطلق من واقع الحال، وينهد الى توفير الظروف الملائمة لترسيخ وتجذير المسيحيين في أرضهم، سواء أكان في لبنان أم في سائر بلدان المنطقة، وهذا البرنامج يفترض أن يراعي الأوضاع المعيشية والروحية. وهو ما يقتضي بحثه في عجالات لاحقة.
بقلم خليل خوري