تقوم القيامة من حولنا، وأنا لا أستطيع أن أنسى لحظة واحدة أحوالنا، ولا تلك الفرصة الماسيّة التي بددها الممانعون في بلادنا.
وأكاد أقول لا أعرف لماذا لا أستطيع أن أنسى، أو أطنّش أو أتغاضى، أو أغضّ الطرف، أو أعتمد الهواية المألوفة الخاصة بالنعامة والرأس والرمل.. أكاد أن أقول لا أعرف، لكنني في قراءة ثانية، يتبين انني، مثلي مثل أي قارئ أو مستمع أو منتبه أو غاضب آخر، أعرف تماماً بتاتاً سبب عناد الذاكرة في رأسي.
..إنه، أعزائي الغاضبين، اقامة أهل الممانعة والمناتعة عند أهدافهم وكأنهم في معركة وجودية لا بعدها ولا قبلها، إما أن يربحوها أو يضمر بيانهم وقولهم وأداؤهم ومقاومتهم مرة واحدة وأخيرة؟! وفي ذلك أخْذ اللبنانيين جميعهم من دون استثناء، الى حالة صدامية قصوى، والافتراض أن نصفهم عدو للنصف الآخر. وان التعامل مع الأعداء لا يحتمل أنصاف المعارك أو أنصاف المواقف أو أنصاف الحلول والتسويات! هكذا هي الدنيا في عرفهم، لا تؤخذ إلا غلابا، ولا تركب إلا انقلابا، ولا تُقبل إلا مطواعة صافية وإلا كانت سرابا يبابا، وتشبه مواويل العتابا.. يابا!
شهور بعدد أصابع اليد الواحدة مرّت وأهل الحل والربط ينتظرون بضع خطوات مطلوبة من الممانعين والمناتعين قبل الانتقال الى الخطوة الأخيرة الخاصة بعقد مؤتمر المصارحة والمصالحة والمسامحة في العاصمة السعودية وبرعايتها، ليتبيّن بعد ذلك ان معسكرات فلسطينية قرب بيروت أو عند الحدود البقاعية، ولا أحد غير رب الدنيا يعرف حجم "دورها المحوري الحاسم" في الصراع المصيري العربي الإسرائيلي! هي أهم بما لا يُقاس من تسوية لبنانية لا نظير لها! وان بضعة تعهدات تستهدف خير اللبنانيين عموماً، ومسيرة إنهاض دولتهم هي أغلى عند الممانعين من الوحدة الوطنية والإسلامية وأعزّ من انتقال اللبنانيين الى ضفّة الأمان والبناء والاستقرار والهدوء، بل أعزّ بما لا يُقاس من إعادة كتابة التاريخ الوطني الحديث بحبر يمحو مرارة الماضي الوارد في صفحات ذلك الكتاب!
لا تشبه خطايا المتجّبرين إلا أحوالهم. ولا تُقاس إلا بأوزانهم وأحجامهم. هذه توازي تلك وتركب مستقيمة في ميزان لا خلل فيه: إما أن ننطح معاً حائط الشرعية الدولية ونكسر رأسنا، وإما أن نعود الى بعضنا لتكسير رؤوسنا بأيدينا، وإما أن تقبلوا باستمرار صلبكم وبلدكم على خشبة النزاعات المفتوحة مع نصف الكرة الأرضية، وإما ان نعود الى بعضنا لفتح نزاعات إضافية تُعرف بداياتها ولا تُعرف نهاياتها.
إما أن ينصاع ويذعن ممثلو الطوائف والمذاهب والأحزاب الأخرى لمنطق الحزب الواحد والقائد وسياسته وإما أن تنزل الفأس بالرأس ويُوضع مشروع الإلغاء على الطاولة والمسدس في الصدع! إما أن تقبلوا صاغرين بتغطية المشروع الامبراطوري وطموحاته المستحيلات وإما أن نحاول فرض ذلك المشروع بالقوة الشرعية أو الشارعية لا فرق.. إما أن تستسلموا للسلاح وجبروته وإما أن تنسوا كل شيء وتتحولوا من مشروع الدولة الى دولة المشروع حيث لا تسوية ولا متساوين!
لذلك ولغيره الكثير الكثير، بدت وتبدو القيامة القائمة من حولنا غير كافية لتغطية جبل الخطايا عندنا.. بل غير قابلة لفتح ثغرة صغيرة في الذاكرة تسمح بالنسيان أو الغفران!