ما سر هذا الارتياح العارم والفرح العظيم اللذين انتشرا في ارجاء المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً عندما تصاعد الدخان الابيض من بكركي معلناً انتخاب بطريرك جديد هو مار بشارة بطرس الراعي ؟!
ربما وجود تمثال مار مارون في ساحة الفاتيكان فعل فعله ومن المؤكد ان الروح القدس كان له الدور الكبير ايضاً في الهام السادة الاساقفة لأتخاذ هذا الخيار التاريخي…
هل لعبت الصدف دورها ايضاً في اختيار بطريرك جديد يشبه إلى حد بعيد البابا بنديكتوس السادس عشر في المواقف والشجاعة والدفاع عن التعاليم الكاثوليكية المستقيمة وعن دور واهمية الاعلام في الكنيسة، هذا سؤال يُسأل ايضاً…
البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي هو البطريرك الـ 77 للكنيسة المارونية وهو الوحيد من بين الـ 77 بطريركاً من " دون لحية " هل هذا دليل أو إشارة على تطوير الكنيسة سؤال آخر يُسأل…
البطريرك الجديد هو راهب وهذه هي المرة الأولى التي ينتخب فيها راهباً بطريركاً للموارنة منذ حوالي 250 عاماً…
نعم… كلها أسئلة تطرح والاجوبة عليها رهن بالمستقبل.
كان يمكن بسهولة ملاحظة الفرح البادي على وجوه اللبنانيين عموماً وعلى وجوه الوفود المتدفقة إلى بكركي صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، ناساً ونخباً، رؤساء ومرؤوسين، إكليريكيين وعلمانيين… كلهم جاؤوا إلى بكركي يمحضون تأييدهم وثقتهم للبطريرك الآتي مثل حلم جميل، ويجددون ولاءهم لبكركي وخطها التاريخي الذي سار عليه البطاركة الأسلاف وجاء الآن من يكمله عن جدارة واستحقاق.
يستحق البطريرك الراعي مجد لبنان الذي أعطي له بعدما أعطى لسنوات وعقود لبنانه وكنيسته وشعبه. هو المؤمن بلبنان الكيان والرسالة، والكنيسة الرسولية الجامعة، وبالشعب المؤمن الطيب… هذا الشعب الذي شبع خيبات ونكسات ولم يعد يحتمل خلافات وانقسامات على الساحة اللبنانية عموماً وداخل الصف المسيحي خصوصاً ، هذا الشعب الذي بدا شديد التعلق بالبطريرك الجديد، ويرى فيه علامة مضيئة في عتمة الأزمات والظروف الحالكة، وبارقة أمل ورجاء في زمن المصاعب والتحديات… جاء البطريرك الراعي في الوقت المناسب، في وقت أحوج ما يكون فيه المسيحيون إلى بطريرك ينتمي إلى سلالة البطاركة العظماء، إلى بطريرك ينعش القلوب والعقول والروح المعنوية مثلما تنعش الماء النبات الذابل والارض العطشى.
وصول البطريرك الراعي إلى سدة البطريركية والمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه شكل مفاجأة سارة للرعية المتلهفة إلى كسر الحلقة التي تراوح فيها منذ سنوات واستعادة الثقة والدور والوهج والحضور والخروج من الانقسام والضعف إلى الوحدة التي فيها قوة. وما كان الشعب ليتلقف هذه المفاجأة بسرور لو لم يكن على بيّنة ومعرفة بسيد بكركي الجديد الذي يجمع تحت عبائته كل قطاعات الكنيسة وكل شرائح المجتمع، هو البطريرك المتحدر من الرهبانية المريمية ويشكل نقطة تقاطع والتقاء بين الكنيسة والرهبانية المارونية، وسيكون عاملاً ودافعاً اساسياً إلى تعبئة الطاقات وصهرها في بوتقة كنيسة واحدة. هو البطريرك الشعبي الذي شكل دوما نقطة تقاطع والتقاء بين الكنيسة والشعب، بين المجتمع الديني الكنسي والمجتمع المدني وكان على تواصل وتفاعل دائم مع قضاياه ومشاكله وتطلعاته.
الموارنة لهم ملء الثقة والأمل ببطريركهم الجديد ولهم كل الحق في ان يعلقوا الآمال العريضة على البطريرك الراعي لما يحمل في شخصه من مزايا قيّمة وما تحفل به تجربته الكنسية من غنى وتنوع وما تزخر به علاقاته المتشعبة داخلياً وعربياً ودولياً وامتداداً حتى الفاتيكان من خبرة وسعة اطلاع، وما أهّله لأن يكون بطريرك التوافق والاجماع، و " بطريرك المرحلة " القادر على ادارة الوضع الماروني بكل تحدياته ومشاكله وبكل أبعاده الدينية والوطنية، والقادر على بث الروح والحيوية في الجسم الماروني الوهن وعلى فتح آفاق مستقبلية واعدة من واقع مرير يكاد ان يكون مقفلاً ومسدوداً…
التعلق بالبطريرك الراعي والتعويل عليه لا يأتي من فراغ وانما من تاريخ حافل وتجربة غنية وسيرة ذاتية ومسيرة دينية بدأها باكراً. فقد التحق باكراً بالرهبانية المارونية المريمية ومنها تدرج صعوداً وتقلب في مراكز ومسؤوليات عديدة مشرفاً على المحاكم الروحية ورابطة كاريتاس، مؤسساً لمدارس وجامعات، راعياً لنشاطات اجتماعية ورعوية وانمائية، عاملاً على تطبيق الارشاد الرسولي، منسقاً ومخططاً بين الكنيسة والرهبانيات، مشرفاً على الاعلام الكاثوليكي، ومتولياً أمور وشؤون أبرشية جبيل مطراناً وراعياً…
وللبطريرك الراعي تاريخ عريق في الفاتيكان وعلاقة وثيقة مع الكرسي الرسولي توجها قبل أعوام كمنسق لأعمال السينودس من أجل لبنان بين الكنيسة المارونية والفاتيكان، وقبل أشهر كناطق رسمي باسم السينودس من أجل كنائس الشرق الأوسط وأحد ابرز وجوهه وفاعلياته. وهو في نضاله الكنسي لم يقتصر همه واهتمامه على مسيحيي لبنان وانما كان شديد التعاطف مع مسيحيي الشرق وقام بمبادرات عدة لإلقاء الضوء على معاناتهم وعلى خطورة هذه المعاناة على الشرق بمسيحييه ومسلميه وعلى وحدة نسيجه المجتمعي ودوره الثقافي والحضاري.
ولأن البطريرك الراعي يختزن كل هذه التجربة الناجحة ويمثل قيمة دينية ووطنية، فإن الأنظار تتجه إليه وإلى ثلاث " ملفات – أولويات " يقع أمر معالجتها على عاتقه، هو الذي تنتظره مهام صعبة ومسؤوليات جسام كيف لا وهو رجل المهمات الصعبة و " حبيب الناس والشعب ":
– أول هذه الملفات ما يتعلق بالكنيسة المارونية تجديداً وتغييراً واصلاحاً لنفخ روح جديدة فيها وجعلها قادرة على مواكبة المتغيرات والمتطلبات في العصر الجديد… وحسناً فعل البطريرك الآتي مع الربيع عندما تحدث عن " ربيع الكنيسة " وعندما اشار إلى ملامح خطة لديه للتجديد والتطوير تنطلق من اعادة هيكلة دوائر البطريركية وتفعيل أداء الكنيسة ومؤسساتها، وتنتهي في تجديد ابناء الكنيسة ومجتمعها والإنسان فيها.
– ثاني هذه الملفات هو الملف المسيحي واعادة ترتيب البيت الداخلي أو ما بات يعرف بملف المصالحة المسيحية المعلقة منذ سنوات على حبل الانقسامات والتجاذبات التي يدفع ثمنها المسيحيون وتُفاقم في احباطهم ومشاكلهم… لقد آن الأوان ان يلتئم شمل القيادات المسيحية تحت سقف بكركي ومظلتها الجامعة وبرعاية بطريرك يقف على مسافة واحدة من الجميع، ينشد الوحدة والاتفاق ويؤمن بالتنوع ضمن الوحدة، وباختلاف في الآراء والمواقف لا يخرج عن اطاره السياسي ولا يمس بالثوابت والمبادىء الأساسية.
– أما ثالث هذه الملفات وأكثرها دقة وصعوبة، فهو المتعلق بالدور المسيحي عموماً والماروني خصوصاً في لبنان والمنطقة واستعادة ما خسره من وهج وحضور. وهذه مهمة شاقة تتطلب اعادة صياغة الدور المسيحي بما يتناسب مع المتغيرات الكثيرة السياسية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان والمنطقة العربية والاسلامية. مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة مع وطن صمد في وجه كل العواصف، ومع كنيسة لا تقوى عليها أبواب الجحيم، ومع بطريرك مؤمن بلبنان ايماناً عميقاً راسخاً، " لبنان الكيان والرسالة"…
وختاماً وفي هذه المناسبة اقول بقدر ما كانت فرحتي كبيرة بانتخاب صاحب الغبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بطريركاً لانطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية، كان اسفي كبيراً ايضاً بسبب وجودي خارج لبنان في هذه اللحظة التاريخية بحيث لم استطع المشاركة في فرحة انتخابه وأكون من بين أول المهنئين له، لكن على رغم من ذلك لا بد لنا من القول مبروك للبنان، مبروك للطائفة المارونية، وكلنا امل بغد واعد وبمصالحة مسيحية قريبة لطالما حلمنا بها ونادينا من اجلها…
بشارة الراعي… بشارة من السماء وهدية ربانية.