بخلاف مواقف سبق أن أبداها في وقفات "تضامنية" سابقة، خلت الخطبة الأخيرة للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله من كل ما من شأنه حصر الواقع الإنتفاضيّ العربيّ في الأنظمة الصديقة أو غير المعادية للغرب دون سواها من الأنظمة الممانِعة. بمعنى آخر، انتقلنا كلياً في الخطبة الأخيرة لزعيم الحزب الحاكم من نظرية "الثورات الشعبية العربية ضدّ الإمبريالية الأميركية وعملائها" إلى نظريّة "اللعب الأميركيّ على مصادرة هذه الثورات".
فمقولة "المصادرة الأميركية للثورات العربية" تلغي تماماً أي مشابهة بين الثورات الإصلاحية العربية وبين العداء الثقافيّ لأميركا وللأمركة في مقال الثورة الكارثية الإيرانيّة. فالثورة الإيرانية كانت أشبه ما يكون بالثورة المحافظة المضادة لكونها أطاحت شاهنشاهية تزعم لنفسها حبّ الأنوار وأقامت شاهنشاهية أخرى تفاخر بعدائها لعصر الأنوار، وتواصل حرباً أيديولوجية مفتوحة منذ ثلاثين عاماً على كلّ من الليبرالية والماركسية، كما يقول محمود أحمدي نجاد "الرأسمالية والماركسية دمّرتا الحقيقة"، وهو قول مستعار من الدعاية الأيديولوجية للحزب النازي في ثلاثينيات القرن الماضي.
ولو كانت الثورات العربية تتوجّه بشكل أساسيّ ضدّ الإمبريالية الأميركية في المنحى أو في الشعار، لما كان الخوف من احتمال "مصادرتها الأميركية" قائماً. وبهذا المعنى، يمكن الحديث عن تطوّر في أسلوب تعاطي "حزب الله" مع الحدث الإنتفاضيّ العربيّ: ما عاد َ يقصره على محور إقليميّ دون آخر. بدأ يفهم أنّ اعتماد معيار العداء لأميركا لتقويم الأوضاع السياسية عموماً، والإنتفاضية خصوصاً، ما عادَ جائزاً.
أكثر من ذلك، يقرّ زعيم الحزب الحاكم عندنا بأنّ الأمور أكثر تعقيداً في بلد مثل ليبيا بحيث لا يمكن لعقيدة صافية في عدائها للإمبريالية أو للإستكبار العالميين أن تبسّط الموضوع. يقول بالحرف "الوضع في ليبيا معقد جداً بفعل التدخل العسكري وهذا يحتاج إلى وعي الثوار ووطنيتهم التي نثق بها".
أمّا أن يكون الوضع معقّداً بفعل التدخّل العسكريّ فهذا أمر عجيب إن كانت عقيدة الشخص تعطي الأولوية لمعاداة الإمبريالية والإستكبار، فلو كانت العقيدة كذلك وجب على الشخص ومهما كانت التضحيات المعنوية في هذا الإطار أن يشهر سيف معاداة التدخّل العسكريّ ويحذو حذو الممانع الأكبر هوغو تشافيز في هذا الإطار.
أمّا أن يكون ما قاله زعيم الحزب الحاكم شيئاً مختلفاً عمّا يقوله تشافيز في الوضع الليبيّ، فهذا يعيد طرح السؤال حول لغز "وعي الثوار ووطنيتهم التي نثق بها" كما جاء في "خطبته". هل يعني ذلك أنّه على الثوار أن ينسّقوا وطنياً مع التحالف الدوليّ ضدّ نظام معمّر القذافي ومرتزقته، أم أنّ عليهم أن يتعاونوا مع النظام المنهار في جبهة مقاوماتية موحّدة، أم هل يريدهم زعيم الحزب الحاكم عندنا أن يقاتلوا النظام الدمويّ والتحالف الدوليّ في وقت واحد؟
الوضع في ليبيا غير معقّد أبداً. لو كان الشخص يتبع عقيدة تعطي الأولوية لمعاداة الإمبريالية على طريقة تشافيز لوجب عليه أن يتجاوز الأمور العالقة مع القذافي ويهبّ لنجدته بالسلاح وبالمسلّحين. ولو كان الشخص يشتاق إلى بناء نظام ديموقراطيّ تمثيلي تزدهر فيه حقوق الإنسان ويبطل فيه الإحتكام إلى العنف وتتضاءل فيه قنوات القمع، فعليه أن يؤيّد تقاطع الثوار الليبيين والتحالف الدوليّ في مواجهة نظام معمّر القذّافي.
أما التباس نصر الله في الخطاب "التضامنيّ" في ما يتعلّق بالمسألة الليبية، فهو يعود ليذكرنا بالتباس طبع كلامه قبل ثماني سنوات، يوم توجّه بمبادرة لإنقاذ نظام صدام حسين للاعتبارات نفسها، وهي أنّ "الوضع معقّد بفعل التدخّل العسكريّ".
لكن المفارقة الكبرى أنّ نصر الله الذي رأى الوضع العراقيّ "معقّداً" عام 2003 فتوجّه بمبادرة إلى صدّام حسين لإنقاذه وعلى هذا تؤاخذه التيّارات الشيعية الكبرى في العراق إلى اليوم – والذي يرى الوضع الليبيّ "معقّداً" اليوم فيحيل المسألة إلى "وعي الثوار ووطنيتهم" يعود فيتناول الوضع البحرينيّ كما لو أنّه وضع خال من أي تعقيد، لا مذهبياً ولا استراتيجياً، وكما لو أنّ إدلاء السلاح الفئوي عندنا بدلوه في المسألة البحرينية لا يزيد الأمور تعقيداً وفئوية.
وهذا طبعاً غيض من فيض تناقض أساسيّ ربّما يحاول خطاب السلاح الفئوي للحزب الحاكم عندنا أن يغفله ولا يستطيع: إنّه التناقض بين مشهد الثورة الإصلاحية العربية الممتدة من بلد عربيّ إلى آخر، والمتجاوزة لصراع محوريّ الممانعة والإعتدال لمصلحة إعادة ربط المسألتين الوطنية والديموقراطية، وبين نموذج الثورة الكارثية الإيرانية التي لم تنجح في تصدير نفسها إلا بالجنوح الإمبراطوريّ ومن طريق اللعب بالجينات الوراثية للأقليات المذهبية، مستفيدة دون أدنى شكّ من ضيم تاريخيّ متبادل لحق بالأقليات المذهبية منذ انقسم هذا الشرق مذهبياً في القرن السادس عشر بين إمبراطوريتين عثمانية وصفوية.