هل لا يزال عزلُ لبنان وسوريّا عن حالة التغيير العربيّة والاقليميّة ممكنا؟
قبل شهرين، ظنّ أهل الانقلاب في لبنان وأهل النظام في سوريّا أنّ الحظّ ابتسم لهم وواتتهم الأيّام، وتوهّموا أنّ الثورات العربية تتوق الى نماذجهم في طهران ودمشق والضاحية، فضربهم الصلف والغرور وتراءى لهم أنّهم سحقوا حركات الحرّيّة والاستقلال في المثلّث اللبناني السوري الايراني.
اليوم، يُفيق هؤلاء من الكابوس الثقيل، ويفتحون عيونهم على واقع مغاير لما حسبوا وتمنّوا: نداءات الحرّيّة تقضّ مضاجعهم، ووهجها بدأ يُضرم النار في أثوابهم، ويداها المضرّجتان تدقّان أبوابهم بقوّة.
ليست الانتفاضة الحاصلة في لبنان مفاجئة لأهل الحرّية والاستقلال والعدالة، فهم مقيمون على وعدهم وارادتهم المتنامية منذ 6 سنوات، ويتجدّدون في ايمانهم وثقتهم. بل هي مفاجئة لأهل السلاح والاعتداد بالقوّة والغلبة. هم مربَكون كثيرا أمام الحيويّة الشعبيّة المتدفّقة في بيروت والمناطق، وأمام الاصرار على اسقاط السلاح ، مذهولون من شجاعة الصدور العارية في وجه آلات القتل والترهيب، مصدومون من نهوض الفينيق وتمرّده على رماده، محبطون من النتائج الهزيلة التي حقّقها سلاحهم، ثمّ ارتدّ ما فعلوه تهافتا في صفوفهم، وتشظّيا لمطامعهم، وتناحرا على غنائم غزوة الانقلاب وأسلابها.
والكتف التي كانوا يسندون رؤوسهم اليها مثقلة بالهموم والخوف، من درعا الى بانياس، ومن حمص الى دمشق، من جريح الى قتيل، ومن وريد الطوارىء الى وريد النظام. حتّى أنّهم يلتمسون سندا ما، أو " نصيحة " على الأقلّ، في تركيب حكومتهم كيفما اتفق، لانقاذ ماء الوجه، فلا يجدون جوابا، ويعودون خائبين من تريّث " المرجعيّة التاريخيّة ". وهو، في الواقع، أكثر من تريّث، انّه ارتباك وعجز، وقلق على المصير.
أمّا الكتف الأبعد، في طهران، فتنؤ، هي الأخرى، تحت وطأة المحافظة الايرانيّة الموعودة، البحرين، التي خرجت على محاولة أيرنتها، غير عابئة بأنّها على مرمى حجر من وصاية الولاية، بل تؤكّد انتماءها العربي وشراكة المصير مع الخليج غير " الفارسي ".
وليس همّ " حزب الله " أقلّ وطأة على " الجمهوريّة الاسلاميّة "، فهي تعاين انكماشه وحشرته، مهما هرب الى الأمام في المكابرة وعروض القوّة والخطابات الناريّة، أو مهما تجاهل فعاليّة 14 آذار المتجدّدة وحيويّتها الشعبيّة والسياسيّة. يستطيع " حزب الله " أن يدفن رأسه في رمال الضاحية، ويمثّل دور الأعمى والأصمّ، لكنّ رعاته أشدّ قلقا وبراغماتيّة، ويرصدون عدّه العكسي، ويفتّشون عن سبل التعويم والانقاذ.
ولم يعُد صعبا على أيّ متابع تلمّس الاتجاه الحتمي لحركة التطوّر في لبنان وسوريّا وايران. هنا وهناك وهنالك ثلاث صيغ محكومة بالسقوط: نظام السلاح، ونظام الطوارىء، ونظام الحزب أو الوليّ الواحد، ولو كان فقيها أو الهيا.
وهذا الاتّجاه الثابت يفرض على 8 آذار بزعامة قائدها " حزب الله " موقفا نقديا سريعا، وتحوّلا نوعيّا وشجاعا، لوضع السلاح تحت كنف الدولة ولملمة آثار الانقلاب الأسود، انقاذا لذاته أوّلا، وتجنّبا لمأزق لبناني عام ثانيا.
المطلوب يقظة سريعة قبل فوات الأوان ، والاتّعاظ من التجارب العربيّة الراهنة، وعلى الأقلّ من التجربة الليبيّة، حيث ترسانة القذّافي استدرجت موقفا دوليا حاسما ومصيرها معروف، وليست ترسانات " حزب الله " وسوريّا وايران في مأمن من المصير نفسه. فهل يشكّ أحد بعد في جدّيّة المجتمع الدولي مع اصدار قراره 1973؟ أليس القرار 1757 ( المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان ) مُحصّنا بالجدّيّة نفسها، وقبله ال 1559 و 1680 وكل ّ القرارات عن لبنان؟
أمّا الذين يتعجّلون الخطوات والزيارات، تحت شعار عدم وجود محرّمات، فعليهم وضع قليل من الماء في نبيذهم. وشيء من التبصّر والانتظار مفيد في زمن التحوّلات وفي غمرة تغيير الموازين والأنظمة. وليس من مصلحة لبنان، وخصوصا مسيحيّيه، ربط الثابت بالمتحوّل في المنعطفات واللحظات التاريخيّة: الثابت هو حضور المسيحيّين ومصيرهم، والمتحوّل هو الأنظمة والرؤساء والأحزاب الحاكمة.
من شرب زمنا مديدا من القهر والاضطهاد والاحتلال لا يغصّ بأيّام أو أسابيع أو شهور من الانتظار.
وليس من عاقل يبني بيتا على رمال متحرّكة.